الفصل الثامن
وبينما كان يهوي علق طرف جلبابه في بروز حاد لبقية من جذع شجيرة كان تحت قدميه ، وتدلى الأمين في الهواء معلقاً.. وسقط الخنجر من يده ليدخل في فم أكبر الأسود حجماً ويرشق في حلقومه مستعرضاً .. وهز الأسد رأسه بشدة محاولاً إخراج هذا الشيء من الغريب الذي دخل حلقومه
ولكن الخنجر غاص في حلقومه قاطعاً أوداجه .. وظل الأسد يصرخ صراخاً عظيماً يهزّ به جنبات المكان..ويقفز هنا وهناك ، والدم يسيل من فمه غزيراً ، واستمرّ على ذلك فترة طويلة جعلت الأسود تولّي هاربة لمّا رأت ما أصاب الأسد الكبير، واستمر الدم ينزف من فم الأسد .. وأخيراً خارت قواه وسقط على الأرض هامداً .. ثمّ مات، كل ذلك والأمين يتأرجح معلّقاً من جلبابه الذي أخذ يتمزّق قليلاً قليلاً .. ثمّ أفلت من بروز الشجرة وسقط، ، ولم يصب بسوء فكانت الأرض تحته ليّنة .. وقام في هدوء وهو يخشى أن تطلع عليه بقية الأسود ، ولكنها كانت قد اختفت .. واقترب الأمين من الأسد الكبير .. وتأكد من موته ثم فتح فمه ووضع قطعة من فرع شجرة لتبقي فم الأسد مفتوحاً .. ومدّ يده بهدوء إلى البلعوم ، وأخرج الخنجر بصعوبة كبيرة.. ثم وقف وهو ينظر إليه متعجباً لما حدث .. ثم انصرف محاولاً أن يتسلّق جوانب الحلبة صاعداً ..ولكن فكرة طرأت عليه فعاد مسرعاً نحو الأسد الميت .. وشقّ صدره بعد مجهود كبير، وأخرج قلبه وعاد به والفرح يغمره، فقد أوصاه الوزير بأن قلب الأسد سيكون مفتاحاً لكثير من الصعاب التي تصادفه، وها قد حصل عليه، وبلغ من شدة فرحه أن همته ازدادت .. وتسلق جوانب الحلبة مستعيناً بما فيها من نتوءات.. ولمّا صعد .. لم يجد الوزير ؟؟ فأخذ ينادي عليه هنا وهناك .. ولكنه لم يحظ بالجواب، ففضّل أن يعود إلى ملك الدوشيم بعد عدة أيام .. وبينما كان الملك يجلس وبجواره ابنته الأميرة تاتي .. وعدد كبير من الزوار، ومنهم الوزير .. إذا بهم يفاجأون بالأمين يدخل عليهم، فهبّ الملك واقفاً ووقف الجميع .. والأمين يمشي نحو الملك حتى وقف أمامه وقال:ـ
ـالسلام عليكم ورحمة الله
ورد الملك التحية، وهو لا يكاد يصدق عينيه
ـ وعليك السلام، مرحباً بك .. حللت أهلاً ونزلت سهلاً
وعندئذ قدّم الأمين للملك قلب الأسد . فقال الملك ما هذا .. فردّ الأمين:ـ
ـ قلب الأسد الكبير..ـ
ـ فنظر فيه الملك وعرفه لساعته ، فقد كان يعرف قلب الأسود .. وصاح الملك:ـ
جاءنا الأمين بقلب الأسد .. فأقبل الوزير مسرعاً ينظر .. فرأى بعينيه أن الأمين جاء بقلب الأسد
وحدثت حركة سريعة في القصر ، وكانت تاتي تنظر إلى الأمين بشوق عظيم ، وأكبرته جداً لشجاعته العظيمة.. وأخذ الوزير يقبّل الأمين أمام الملك مظهراً فرحه وسروره.. وأمر الملك بإعداد موكب له ليصحبه الأمين في جولة تطوف به على الناس ، إعلاناً للفرح بعودة الأمين البطل سالماً، وكذلك بشفاء الأميرة الصغيرة تاتي بمجرد رؤيتها للأمين
وأخذ الدوشيم يعدون موكباً عظيماً .. وينشرون الفرح في كل مكان، وذهبت الأميرة تاتي مسرعة إلى العجوز تشكرها كثيراً فهي التي أخبرتها عندما خلت بها ، بأن الأمين لن يصاب بأذى وأنه سيعود إليها سالماً.. ولكنها أمضت هذا الوقت قلقة لما كان الوزير قد صه عليهم
خرج الأمين في صحبة ملك الدوشيم يطوفون أنحاء البلاد وسط موكب عظيم، وذلك فرحاً بعودته سالماً. وقال الملك للأمين:ـ
ـ لقد كنت أوصيت الوزير أن يعتني بتدريبك على الفروسية وفنون القتال مدة أربع سنوات، تنتهي بأن تكون قادراً على قتل أكبر الأسود وإحضار قلبه دليل شجاعتك فيتم زواج ابنتي الأميرة تاتي .. بفارس شجاع، ولكنك بدأتنا بإحضار قلب الأسد الكبير، لذا سنعجل بزواجك من الأميرة تاتي.. وهذا الفرح الذي ترانا عليه الآن هو إعلان لهذا الزواج
قال الأمين:ـ
أيها الملك إن خير ما يضاف إلى الشجاعة هي صفة الوفاء .. وأحب أن أكون وفيّاً كما أكون شجاعاً
ـ وما يمنعك من ذلك ؟
ـ عليّ دَين أحب أن أقضيه
قال: نحن نسدد عنك دَينك
ـ أيها الملك : إن الدَّين الذي يلزمني ليس مالاً
ـ ماذا يكون إذاً؟
قال الأمين: إن لي صديقين خرجا معي في هذه الرحلة ، وضلّا طريقهما.. ونأى كل واحد منهما عن الآخر، ويساورني عليهما قلق كبير، وليس من الوفاء أن أنعم هنا بسعادة عظيمة وصديقاي يعانيان الشقاء
قال الملك: وماتريد ؟
ـ أريد أن أخرج للبحث عنهما علّني أعثر عليهما ثمّ أعود
ـ فتعجّب الملك من قوله وازداد به تعلّقاً لما رآه من روح الوفاء والإخلاص، وقال:ـ
ـ دونك ما تريد يا أمين.. وسلني بم أساعدك؟
ـ أريد فرساً يعينني على السفر، وسيفاً ماضياً أدفع به الشرّ
قال الملك: لك (التوتان) أعظم فرس يركب الفرسان، وأعزّ ماعندي من يجوب بك الفيافي والقفار، أمّا السيوف فهي في ردهة الزوار لك منها ما شئت وأنصحك بالبتّار
وشكر الأمين الملك أخذ السيف الذي نصحه بأخذه ولوّح به ذات اليمن وذات الشمال، وسمع صوت السيف يشرح الهواء مؤكداً مضاءه وقوّته على سرعة البتر … وجرى الأمين حتى وصل إلى (التوتان) وقفز فوق ظهره، وأمسك بزمامه ووكزه فانطلق يخطر به هنا وهناك، ويعدو ذات اليمين وذات الشمال، وكان الأمين يجرّب (التوتان) وقدرته على الركوب.. فوجده عظيماً.. وقد أعجب الملك جداً بمهارة الأمين في قيادة (التوتان) وقال لمن حوله ما رأت عيناي قط فارساً يمتطي صهوة جواده بمثل هذه المهارة التي أرى بها الأمين فوق (التوتان).. فقالت العجوز وكانت بجوار الملك:ـ
ـ أيها الملك إنها قدرة أهل النور عندما يركبون خيول النور
ـ وقام الأمين يتبختر فوق (التوتان) ووقف أمام الملك.. وقدّم له الشّكر .. على هديّته العظيمة، وأمر الملك بتحضير الزاد والماء والغداء للأين الذي ودّع الملك وجلساءه وداعاً حاراً، وقبل أن ينطلق في رحلته باحثاً عن صديقيه:، قال: (بسم الله ، على الله توكّلت)ـ
وانطلق (التوتان) به كالسّهم يجوب الأرض باحثاً عن هشام وعامر .. وقطع الأمين مسافة كبيرة قبل أن يغادر مملكة الدوشيم.. وكلّما مرّ على جماعة منهم لوّحوا له بأيديهم يحيونه و (التوتان) مندفع به يطوي الأرض. ولمّا كاد الأمين يخرج من مملكة الدوشيم قال الوزير للملك:ـ
ـ إنّي أخشى على الأمين زوج الأميرة تاتي أن يصيبه في هذه الرحلة الشاقة مكروه، وكنت أودّ أن أصاحبه في هذه الرلة للمحافظة عليه.. كنت أريد أن أونسه بدلاً من أن يسافر وحيداً ، وأطمئنك عليه
فوجدها الملك فكرة طيبة، فأذن له بالسفر ليلحق بالأمين، وأخذ الوزير يتجهّز للّحاق بالأمين، وبينما كان الأمين يعدو (بالتوتان) خارجاً من مملكة الدوشيم، إذا به يرى طائراً يحوم حوله في سرعة، ثمّ ما لبث الطائر أن حط على رأس (التوتان) وأخرج رسالة كانت مربوطة إلى رجله، وقدّمها للأمين بمنقاره لقراءتها .. فإذا هي رسالة من الوزير، جاء فيها:ـ
ـ(أيها الأمين إن الملك رأى أن أصاحبك في رحلتك، فإذا جاءتك رسالتي فانتظرني حتى ألحق بك)ـ
نزل الأمين من فوق (التوتان) ليستريح، وأقام مكانه ينتظر قدوم الوزير، وأخذ (التوتان) يسرح هنا وهناك يأكل بعض الأعشاب.. ولمّا قدّم الوزير فوق حصانه، وقف بعيداً خلف بعض الأعشاب يرقب الأمين وحصانه وانتهز فرصة ابتعاد(التوتان) فاقترب نحوه يسير على قدميه بهدوء، وتمكّن من اقتياده بعيداً وأدخله في كهف قريب وأحكم رباطه من مقوده، كما ربط ساقيه الأماميتين حتى يعوقه عن الحركة.. وخرج مسرعاً ليمتطي صهوة جواده ويتّجه نحو الأمين.. ولمّا دنا منه حيّاه وقال:ـ
ـ خشيت ألّا ألحق بك فأكون قد خسرت صحبتك
ـ فأعلمه الأمين بتسلّم الرسالة وأظهر له تعجبه من براعة الطائر في أداء مهمّته
ـ وقال الوزير: إن هذا هو الجنداب طائر يؤدي لنا أجلّ الخدمات في توصيل رسائلنا العاجلة.. وسيأتينا بين الحين والحين بالرسائل من الملك ويعود برسائلنا إليه .. فهيّا بنا
ـ فقام الأمين يبحث عن (التوتان) فلم يجد، وشاركه الوزير في البحث عنه.. وظلّا يبحثان عنه هنا وهناك حتى يئس الأمين من العثور عليه.. فجلس مطرق الرأس حزيناً يفكّر كيف فقد (التوتان) العزيز، وأظهر له الوزير الحزن على فقدانه
وقال للأمين:ـ
ـ هيا بنا نواصل الرحلة على فرسي فهو قدير
ـ قال الأمين: أفضّل العودة إلى الملك، وأخبره بفقدان (التوتان)ـ
ـ لا تفعل
ـ ولم؟
ـ إن فقده سيغضب الملك كثيراً، وسيعرف بأنك لست أهلاً للمحافظة على هدايا الملوك
ـ ولكنّي سأقص عليه حقيقة ما حدث
ـ إن ملك الدوشيم يتشاءم من الذين يفقدون هداياه.. والرأي عندي أن نرحل بحثاً عن صديقيك، علّنا نعثر على (التوتان) في الطريق أو نجد رأياً حسناً نخبر به الملك عن فقدان (التوتان) دون أن يغضب أو يتشاءم من الخبر
فوافق الأمين.. وركب خلف الوزير ، وانطلق بهما الجواد في رحلتهما.. وامتلأ صدر الوزير نشوة لنجاحه في حرمان الأمين من (التوتان) وكان يفكّر في حيلةٍ أخرى يجرّد بها الأمين من سيفه البتار، وقد استغرق في تفكيره فلم يستمع إلى الأمين وهو يسأله أي الطرق سيسلكان.. ثمّ انتبه عندما ارتفع صوت الأمين
فقال الوزير: هل تحدّثني؟
ـ نعم كنت أسألك عن الطريق
ـ معذرة فقد كنت مستغرقا أفكر في نفس الموضوع
ـ تُرى أي الطرق سنأخذها؟
ـ أمامنا طريقان .. طريق اليمين وبها الكثير من الصّعاب والعقبات، وتكتنفها مشقات كثيرة .. وأرجّح أنها مسدودة لا تؤدي إلى ما نبتغيه .. وطريق الشمال سهلة ميسورة، مفتحة في كل اتّجاه ، وأفضّل أن تسير فيها وهي توصلنا إلى ما نريد
ـ يبدو أنك خبير في معرفة الطرق
ـ نعم فكثيراً ما يكلّفني الملك بمهام صعاب، أقطع لإتمامها أوعر الطرق ، وقد اكتسبت في ذلك خبرة عظيمة.. لذا فأنا أفضّل طريق الشمال
ـ كما تحب، فستجدني رفيقاً هُماماً أستسهل الصّعب إن صادفنا
ارتاح الوزير لموافقة الأمين على السير في طريق الشمال وكان هذا هو كل ما يتمنّاه، وانطلق يعدو فيه بأقصى سرعته .. وحلّق فوقهما على ارتفاع كبير طائر ضخم يقال له العرقاب، وأخذ يحوم حولهما .. حتى وصلا إلى بحيرة كبيرة فأوقف الوزير حصانه ونزل ووصع سيفه على الأرض وغاص داخل البحيرة وشرب ، ثم عاد وأخذ سيفه وأقبل نحو الحصان وقال للأمين:ـ
ـ إن ماء هذه البحيرة بارد فاشرب فإنه سيعجبك
فتوجه الأمين نحو البحيرة ، ووضع سيفه على الأرض كما فعل الوزير وغاص داخل الماء .. وعندئذ أشار الوزير للعرقاب الذي انقضّ على السيف وخطفه بمنقاره وعلا في الجو .. والوزير يتظاهر بالصياح، وانتبه الأمين لصياح الوزير.. فرأى أن الطائر أخذ سيفه وتوجه نحو منتصف البحيرة ثم رماه فسقط في الماء وغاص فيه .. فخرج الأمين مسرعا وهو يسأل الوزير عن طريقة لإخراج السيف ، ولكن كلاهما لم يكن يعرف السباحة، وقال الوزير::ـ
وا أسفاه .. فإن هذه البحيرة عميقة جداً، ولا سبيل إلى إخراج السيف.. ويبدو أنك سيء الحظ فقد أضعت (التوتان) هدية الملك الأولى وها هو السيف قد ضاع كذلك.. جلس الأمين على الأرض يفكر في الذي حدث، ثم قال:ـ
إن أتيح لي العثور على (التوتان) أو السيف، فلن أترك زمام (التوتان) من يدي أو السيف من قبضتي، وقد تعلمت درساً أرجو أن يفيدني فيما أنا مقبل عليه.. ثم ركبا واستمرا في طريقهما وكانت نشوة الوزير عظيمة بما فعل .. فها قد أصبح الأمين مجرّداً لا يستطيع الدفاع عن نفسه.. وبينما كان الفرس ينطلق بهما.. هبط الطائر الكبير وأخذ يطير بجانب الحصان، وبمحاذاته من جهة اليمين.. والأمين ينظر إليه بتعجب كبير.. وطمأنه الوزير بأن هذا من عادة الطيور حينما يقبل الوزير في زيارة هذا المكان.. ثم ما لبث أن ظهر طائر آخر بمحاذات الحصان من الجهة اليسرى.. وأخذت الطيور الكبيرة تتوافد الواحد تلو الآخر في انتظام يدعو إلى العجب وهي تطير بارتفاع الوزير ، والأمين على جانبي الحصان كأنه موكب يحرسه جند من الطيور
واستمر الموكب في طريقه مدة طويلة حتى ظهر قصر عظيم، ولمّا وصلا إلى باب القصر أمر الوزير الأمين بالترجّل.. فنزل الأمين وقال له الوزير بلهجة آمرة تنمّ عن الحقد والغيظ:ـ
انتظر هنا حتى آذن لك بالدخول.. وأشار إلى حرّاس القصر فأحاطوا بالأمين الذي فوجئ بتغيّر الوزير.. ودخل الوزير إلى قاعة القصر وجلس على كرسي في في صدر القاعة والحرس يحيونه كلما مر بهم.. ولمّا استقر في مجلسه قال: عليّ بالأمين .. فجاء به الحرّاس، فأشار إليهم أن يوقفوه على النّطع .. ونادى السيّاف فجاءه فوراً .. ثمّ قال الوزير موجهاً كلامه للأمين:ـ
ـ والآن سننتهي منك جزاء ما تفعل ، فقد تعديت طورك واعتديت على حقوقي وأفسدت عليّ حياتي، وكدّرت معيشتي
ـ لست أدري لم تنسب إليّ ما لا أضمره لك وما لم أفعله؟
ـ أنت ستتزوج الأميرة تاتي
فتعجّب الأمين ، وأدرك ما يرمي إليه الوزير.. وقال:ـ
ـ هل يغضبك هذا أم يسعدك؟ فقد أعلمني ملك الدوشيم أن الفرح بهذا الأمر كان يعنّ مملكته كلّها
ـ أنا الذي كنت سأتزوجها.. وقد كان حضورك عندنا مقدم شؤم عليّ. فقد فضّلك الملك وآثرك عليّ بزواج الأميرة
ـ أنا لم أطلب الزواج من الأميرة، ولكن الملك هو الذي أبدى رغبته في هذا الزواج
ـ ولهذا سأتخلص منك وأقتلك وأنتهي من أمرك
ـ إن كان قتلي يحقق لك ما تصبو إليه فاقتل، فإني لا أخشى الموت ولكنه لن يحقق لك ما تريد
ـ إن زوالك سييسر لي الزواج من الأميرة (تاتي) ثم يجعلني وريثاً للملك بعد وفاة الملك
ـ وما أدراك أن الملك سيموت قبلك؟
ـ هذا شأني وأنا أعرف كيف أصل إلى ما أريد
ـ وما إن أتمّ حديثه حتى دخل عليه الجنداب وهو الطائر الذي يحمل البريد، جاء برسالة من ملك الدوشيم إلى الوزير.. كُتب فيها:ـ
من ملك الدوشيم إلى الوزير، (مرضت الأميرة تاتي بعد سفر الأمين، فأعده إلينا كي تبرأ من سقمها.. وليخرج بعد ذلك بحثاً عن صديقيه)ـ
قرأ الوزير هذه الرسالة ثم ازداد غيظاً لتعلق الأميرة تاتي والملك بالأمين وطوى الرسالة.. ونظر الأمين صامتاً يفكّر فيما يصنع به، ثمّ قال له:ـ
ـ لقد قلت إنك لم تطلب الزواج من الأميرة، ولكن الملك هو الذي رغب في ذلك
ـ نعم قلت هذا
ـ إذن فاكتب أنك لم تطلب الزواج من الأميرة (تاتي) وسأطلق سراحك
ـ أكتبُ هذا وهو الحق
ـ ثمّ ناوله الوزير قلماً وورقة، كتب فيها الأمين التالي:ـ
ـ (طلب إليّ الوزير أن أعترف بأن ملك الدوشيم هو الذي رغب في زواجي من ابنته الأميرة (تاتي) وأنني لم أبدأ بطلب الزواج)ـ
وأخذ الوزير هذا الكتاب وأرفقه كتاباً ثانياً، كُتب فيه:ـ
ـ (من الوزير إلى ملك الدوشيم:ـ
عندما لحقت بالأمين وجدته امرأ سوء منكراً للمعروف، جاحداً للجميل، فقد أضاع (التوتان) وقال لا حاجة لي به، ورمى السيف البتار في البحيرة.. وقال لي كلاماً فهمت منه أنه راغب في الخلاص والإفلات.. كما أنه قال: أنا غير حريص على الزواج من ابنة الملك.. وإن الملك هو الذي رغب في ذلك فوافقته حتى أجد فرصة للإفلات،، وقد كتب الرسالة المرفقة بخطه تأكيداً لهذا .. وأرى أن تعلم الأميرة بحقيقته حتى لا تتأثر بمن ينكر المعروف، وتشفى من مرضها.. وإنّي محتفظ به كي أسمع رأي الملك ولا أرى له حلاً إلاّ القتل
ثمّ لفّ الوزير الرسالتين وأعطاهما الجنداب الذي أخذهما وعاد طائراً إلى الملك.. وأبقى الوزير الأمين مكانه محاطاً بالجندب والحرّاس.. وظلّ ينتظر الرّد
وكانت الأميرة تاتي بعد وداع الأمين تجلس حزينة في غرفتها لفراق الأمين، وفي اللحظة التي بعد (التوتان) عنها انتابها قلق عظيم لا تدري له سبباً. واستمر هذا القلق يساورها فترة من الزمن حتى ألقي السيف البتار في البحيرة وعندئذ داهمها انقباض عظيم لم تعهده من قبل وأخذت تبكي دون أن تعرف لذلك سبباً واستمرت على ذلك فترة طويلة، ثم أرسلت الأميرة للعجوز وشكت لها حالها فنظرت العجوز في عينيها وقالت:ـ
أرسلي الهدهد يأتيك بالخبر اليقين ويطمئن بالك
وكانت الأميرة تاتي عندها هدهد جميل تعتني به كل يوم وتداعبه، وكان يسرّ كثيراً لمداعبتها، فخرجت تاتي إلى الحديقة ونادت الهدهد ثم قالت له: أرجوك أن تذهب سريعاً وتأتيني بخبر الأمين، فإن قلقي عليه عظيم.. ولا تتأخر عنّي فإنّي أصبحت سقيمة عليلة .. وعندما سمع الهدهد كلام الأميرة رقّ لحالها وطار على الفور يتحسس الأخبار ويأتيها بما يطمئن قلبها ويهدئ روعها ويطيب خاطرها
وبينما كان الهدهد يجول هنا وهناك يتقصّى الأخبار، كان الجنداب قد وصل إلى الملك وسلّمه رسالة الوزير .. فلمّا قرأها أخذته الدهشة وانتفض واقفاً، وقد بدا الغضب على وجهه والحيرة في عينيه، فقد تألّم كثيراً لما كتبه الأمين بيده وعدّ ذلك إهانة بالغة.. وظنّأنّ الأين خدعه وها هو الوزير الذي يثق به يؤكد في رسالته غدر الأمين وعدم وفائه بالجميل، ثمّ كتب رسالته للوزير، قال فيها:ـ (بلغني خبر الأمين الغادر.. فإذا تسلمت رسالتي فعجّل بقطع رأسه وائتني بها ) ودفع الملك بالرسالة إلى الجنداب الذي أخذها وطار كي يسلّمها للوزير.. ولمّا خرج الجنداب كان الهدهد عائداً في طريقه إلى الأميرة حينما صادفه في الطريق فقال الهدهد للجنداب:ـ
ـ إلى أين أيها الجنداب؟
ـ إني ذاهب إلى الوزير برسالة الملك
ـ لعلك تسعى بخير
ـ أمر الملك بقطع رأس الأمين فقد غدر وخان
فما إن سمع الهدهد الخبر حتى أسرع إلى الأميرة ودخل عليها غرفتها.. واستنهضها بسرعة قائلاً:ـ
ـ أيتها الأميرة أدركي الأمين
ـ ما الخبر
قص عليها الهدهد في عجالة ما كان من أمر (التوتان) وإخفاء الوزير له في المغارة وتقييده، ومن تجريد الوزير للأمين وأمره لطائر العرقاب برمي سيف الأمين في البحيرة.. ورسالة الوزير للملك ورسالة الملك للوزير
ـ جزعت الأميرة ونهضت من فورها وهرولت نحو أبيها الملك وأمرت الهدهد أن يقص عليه الأنباء
فازداد الملك دهشة .. وتركت أباها وامتطت صهوة جوادها، وقالت للهدهد: أرشدني إلى (التوتان) فهو ريح في عدوه، وجرت الأميرة خلف الهدهد وهو يتقدمها حتى أدخلها على (التوتان) المقيد في المغارة .. فحلّت رباطه وامتطت ظهره وقالت للهدهد: عجّل بإرشادي لنلحق بالأمين .. وانطلق بها (التوتان) يسابق الريح .. وكان الملك بعد خروج الأميرة تاتي بهذه السرعة، قد أطلق جنداباً آخراً ليلحق بالأول قبل وصوله إلى الوزير قائلاً له:ـ (الحق بالجنداب الذي يحمل رسالتي إلى الوزير، وعطّله أو امنعه من تسليم رسالتي حتى ألحق به) .. ثم أمر بخروج كوكبة من الفرسان الأشداء خلفه وهو يعدو خلف الأميرة تاتي
وطار الجنداب الثاني ليلحق بالأول، وقد أجهد نفسه إجهاداً مضنياً .. ولكن وقتاً كبيراً كان قد مضى .. ولحق به قبل أن يهمّ بدخول القصر .. وأخذ يخاطبه ، ولكن الجنداب الأول كان يمضي في طريقه لأداء مهمته لا يلوي على شيء .. فلم يستمع ولم يفهم من فرط انشغاله بضرورة تسليم الرسالة .. يئس الجنداب الثاني من إفهامه عدم تسليم الرسالة .. أخذ يهاجمه ليعوقه عن الحركة ، ودار بينهما عراك عظيم أفلت الأول من نهايته ومضى نحو الوزير وسلّمه الرسالة، وسقط بجواره من شدّة الإعياء، وكان الجنداب الثاني قد أصيب بضربة قوية على رأسه من الجنداب الأول أسقطته مغشياً عليه ولم يفلح في منع وصول الرسالة إلى الوزير
ففضّ الوزير رسالة الملك وقرأها .. وظهرت عليه نشوة النّصر.. وامتلأ صدره بالفرح لنجاح كيده، ونظر إلى الأمين نظرة الظّفر وقام من مجلسه.. وأقبل نحو الأمين يمشي في خطى تنمّ عن الكبر والغطرسة .. وسرح خياله في الأميرة وزواجه بها..ثم …. المُلك وفوزه به بعد تدبير أمر آخر للتخلص من الملك .. ولم يحادث عندئذ الأمين ولا خاطبه إمعاناً في التعالي والكبر، وأظهر له الاحتقار والازدراء، وقال للسياف بلهجةٍ آمرة ملؤها الوثوق من النتيجة: يا سيّاف
ـ أجاب السياف: نعم سيدي
ـ اقطع رأسه
واعتدل السياف في وقفته وأجلس الأمين منحنياً على الأرض.. وهمّ أن يرفع السيف ليهوي به قاطعاً رأس الأمين.. فإذا بالأميرة تاتي تقتحم الباب على ظهر (التوتان) وتُغير على السيّاف فيطرحه أرضاً ويلقي سيفه بعيداً عنه
وقد جفل الوزير لهذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها .. ونزلت تاتي وأمسكت بالسّيف وأقبلت نحو الأمين وهو جاثمٌ على ركبتيه تفكّ القيد من يديه .. وعندئذ دخل ملك الدوشيم يحيط به فرسانه وبقي فوق فرسه .. فدنا منه الأمين وحيّاه قائلاً السلام عليك أيها الملك
رد الملك التحية قائلاً: وعليك السلام
فأخذ الهدهد يسرد ما وصل إلى علمه من أخبار، والأمين يدهش مما خفي عليه من كيد الوزير .. ولمّا انتهى الهدهد من كلامه، أمر الملك باستدعاء العرقاب، فأتى وأمره الملك أن يروي كيف خطف السيف البتار .. فأفاد العرقاب بأن الوزير أشار إليه بخطف السيف وإلقائه في البحيرة بينما كان الأمين يشرب
كل ذلك والأمين يزداد تعجّباً، والوزير يزداد انهياراً واصفراراً .. وعندئذ نظر الملك للأمين يسأله عن الذي حدث مع الوزير .. فقص الأمين للملك تفاصيل ما دار من حديث مع الوزير .. ثم ذكر له كذلك رحلته الأولى، وطلب الوزير نزوله لمصارعة الأسود في أول التدريب على الفروسية، والآن وقد تحلّت الحقيقة واتّضح مكر الوزير وكذّبه وغدره وعصيان، أقبل الوزير يجثم على قدميه يستعطف الملك، ويقبّل الأرض بين يديه
قال الملك:ـ
لقد عزمت على ارتكاب جريمة نكراء، وهممت بارتكابها ولم يمنعك إلا قدومنا.. ثم إنك قدرت بمن يصحبك في هذه الرحلة، وكذبت عليّ وافتريت على الأمين، ونسبت إليه فعلاً لم يأته زوراً وبهتاناً
ثمّ أمر السّياف.. فجاءه وجاءة تاتي وأسلمته السّيف، الذي كان سيقطع بع رأس الأمين. وأمر الملك بقتل الوزير جزاء ما فعل
وهوى السيف كلمح البصر .. وقتل الوزير الشرير .. ونظر الأمين إلى ما يدور حوله وهو يردد في نفسه:ـ
ـ (من سلّ سيف البغي قتل به )… (من سلّ سيف البغي قتل به )ـ
وهنا نترك الأمين .. .. لتتابع الصحبة الوطيدة التي نشأت بين عامر وهشام التمساح
تابعونا .. الفصل التاسع


