7
January

ثمانون عاماً .. الفصل السابع

…الفصل السابع…

 

 

أقفل النفق على عامر .. فأدار وجهه نحو الباب وظلّ يطرقه وينادي الثعلب:ـ

أيها الثعلب الكبير لا تتركني هنا .. دعني أذهب مع أصحابي .. لاتتركني وحدي ولكنه لم يسمع جواباً وأدار وجهه نحو النفق ورأى ضوءاً خافتاً من بعيد . فمشى يتحسس خطاه في الظلام، ودخل في أرض موحلة وظلّ ينقل قدميه بصعوبة كبيرة ثم سقط على الأرض ، وكلّما همّ بالوقوف سقط مرةً ثانية، فأخذ يزحف على يديه ورجليه، وكانت الأرض كلها مغطاة بالوحل الرّطِب، ولم يتمكن عامر من الخروج بعيداً عن الوحل. وبينما هو يحاول جاهداً أن يتقدم في زحفه دون جدوى، إذ رأته مجموعة من صغار الكابوريا.. ولكنّها كبيرة الحجم، فأقبلت نحوه في سرعة وهجم إحدها على عامر وأمسك بملابسه.. وأخذ يجره ناحية أخرى ووجد عامر نفسه بعد لحظة صغيرة بين صغار حيوان الكابوريا تلعب به وتجرّه في كل اتّجاه في الوحل، وهو لا يستطيع مقاومتها أو إيقافها.. وفجأة تركته وهربت ولم يعرف سبباً لهروبها؟؟

وكان من حسن حظه أن أصبح قريباً من نهاية الأرض الموحلة، نتيجةً للعب صغار الكابوريا به.. وظلّ يجاهد زحفاً حتى لامس الأرض الصلبة.. وجلس يستريح من عناء الجهد، وقد غمر الطين وجهه ورأسه وملابسه. ثم مضى في طريقه إلى حيث يرى الضوء الخافت، واقترب منه بهدوء

فشاهد رجلاً عجوزاً وامرأة عجوزاً يجلسان إلى كومة من النار الخافتة عليها قدر صغير.. فلمّا حياهم عامر نظر إليه الرجل ودعاه للدخول ولم تبد عليه ولا على زوجته آثار الدهشة لاقتراب عامر منهما .. دخل عامر الكهف وجلس بالقرب  من الرجل الذي قام وعاد ومعه دلو مملوء بالماء، أعطاه لعامر كي يغتسل وامرأته تنظر إليه نظرة الإشفاق

قام عامر وتوارى خلف صخرة في الكهف يغتسل ويزيل الطين من ملابسه.. وسمع صوت الرجل ويقول له:ـ

خذ هذا يا ولدي، وأعطاه إزاراً يلتف به

تناول عامر الإزار شاكراً، وغسل ثيابه الموحلة وتركها تجفّ .. واقترب من الرجل وزوجه وجلس بجوارهما صامتاً لا يتكلم.. وناوله الرجل العجوز إنادً به بعض الطعام مما كان في الدار وكان عامر يشعر بالجوع الشديد .. فأكل  .. وهو لا يدري ما الذي يأكله ويمنعه الحياء أن يسأل الرجل

وقال له الرجل العجوز:ـ

يا بني إذا أتممت أكلك فقم واسترح على هذا الفراش، وأشار إلى فراش في جانب من جوانب الكهف.. واستغرق عامر في نوم عميق وكان التعب قد بلغ منه مبلغاً عظيماً .. ولمّا أفاق في اليوم التالي وجد الرجل وزوجه على حالهما لم يغيرا مكانهما بجانب النار، والنار على حالها.. وكذلك القدر

قدم الرجل الطاعام كذلك لعامر ، وتناوله عامر كذلك صامتاً لا يتكلم والرجل وزوجه لا يتحدثان.. ثمقال العجوز:ـ

تستطيع يا بني أن تخرج إلى الأرض حولنا فتنظر إليها كيف شئت .. وعد إذا احتجت إلى شيء.. قام عامر وخرج وهو ملتف بالإزار حول وسطه وصدره عارٍ لا يغطيه شيء.. ومضى يجول هنا وهناك باحثاً في صمت عن مخرج ولما عاد وجد كل شيء على حاله لم يتغير!! الرجل وزوجته والنار والقدر .. ولم يفطن أول الأمر إلى شيء غيريب !! واستمر على هذه الحال عدة أيام

ثم قال له الرجل العجوز:ـ

يا بني أنصحك بأن تتركنا سريعاً فإننا كما ترى لا نستطيع مغادرة هذا الكهف لأننا حبيسان بأمر القرد، ملك هذه البلاد.. ومنذ أن دخلنا هذا الكهف فإننا لا نستطيع الخروج، ولسنا مثلك.. وأخشى أن يعلم الملك القرد بوجودك فيدهنك بشحمه ويحبسك كما فعل معنا

فأسرِع يا بني واخرج من هذه البلاد

أسرع .. يابني وصحبتك السلامة

فشكره عامر ودعا له بخير وخرج مسرعاً وكان في تجواله قد رأى طريقاً رجّح أن يكون طريق الخروج، فسلكه وهو يجري حتى خرج من البلاد سريعاً .. وبينما كان يعدو .. كان القرد الملك يجلس في جانب الطريق على بعد .. وهو يراقب عامراً يقترب منه، ودنا عامر من القرد .. والقرد الملك يتحفّز للإمساك به

وظهر فوقه طائر عظيم ثم انقضّ هذا الطائر بسرعة عظيمة على عامر .. وهو لا يدري .. فقد راع عامراً أن يفاجئه القرد الملك أمامه ويأتيه منقضاً عليه.. ويتمكن الطائر من خطف عامر كفريسة شهية.. ويفشل القرد الملك من انتزاع عامر من الطائر الذي جاوزه بمسافة بسيطة وظل ينظر إليه حانقاً وهو يعدو خلفه لعل عامراً يسقط من مخالب الطائر فيلتقطه القرد .. ولكن الطائر كان يقبض على عامر بمخالب الطائر فيلتقطه القرد .. ولكن الطائر كان يقبض على عامر بمخالب قوية .. وهو مستمر في طيرانه، وكان متّجهاً إلى عشه كي يتغذّى بهذا الصيد السمين

وصل الطائر إلى عشّه أعلى الجبل ووضع عامراً بين مخالبه وهمّ- بمنقاره الحاد المعقوف- أن ينقره لالتهامه ..فأدخل عامر إصبعه في عين الطائر بكل قوته ففقأها.. وصرخ الطائر وترك عامراً على الجبل وطار بعيداً عنه وهو لا يكف عن الصراخ

وترك عامر قمة الجبل متّجها إلى سفحه بسرعة كي يحتمي بالصخور خشية أن يعود إليه الطائر ولكنه لم يعد، واستمرّ يجري مسرعاً في طريقه وهو يتنقل بين الصخور ليحتمي بها.. وسمع من بعيد صوت الماء يهدر بشدّة .. ولمّا اقترب رأى نهراً كبيراً ينساب بين هذه الصخور.. وتبعه عامر علّه يقوده إلى مخرج.. وكان يجلس للراحة بين الحين والحين على شاطئ النهر.. يأكل بعض النباتات التي يستسيغها، واستمر في سيره أياماً حتى وصل ألى منطقة يفيض فيها النّهر على جانب من جوانبه فيكثر فيه السمك، ، وعنّ لعامر أن يقيم في هذه البقعة ويتّخذها مركزاً له ينطلق منه ليبحث عن مخرج من كل اتجاه

وقد تصادف أن كانت الأشجار العالية المتفرعة تكثر فيها .. فاختار مجموعة من الأشجار وأعد لنفسه على قمّتها مسكناً صغيراً يأوي إليه.. وقد شعر في هذا المكان ببعض الأمن والطمأنينة .. فالماء متوفر والسمك يملأ المكان وهناك مسكن بسيط له في أعالي الشجر يأوي إليه كلّما أراد الراحة

وأمضى على هذه الحالة فترة من الزمن .. وفي يوم من الأيام كان عامر بجور النهر يصيد السمك بكلتا يديه، وفجأة جفلت عيناه عندما رأى حيوانا غريباً يشبه التمساح يُقبل نحوه سابحاً في النهر، ولم يكن هذا الحيوان إلّا صديقه هشام.. الذي جاء به الضفدع الصغير إلى هذا المكان .. وأقبل هشام فرحاً مسروراً برؤية صديقه عامر .. وظن أن عامراً سوف يرحب به ، ولكن عامراً ولّى مدبراً يسرع الخطى وهو يبتعد عن صديقه هشام التمساح.. وكان هشام يحاول أن يحادثه وينادي عليه ، وكلّما فتح فمه لا يقدر على الكلام وتبدو أسنانه كثيرة فيخاف عامر ويبتعد عنه

وصعد عامر فوق صخرة عالية ينظر إلى الحيوان التمساح واقترب هشام من الصخرة وهو يأمل أن يعرفه بحقيقة نفسه ولكن عامراً تناول حجراً ورماه على رأس هشام فأصابته في رأسه.. وازداد هشام قرباً من الصخرة الكبيرة ، ولكن عامراً ظلّ يقذفه بالحجارة.. والحجارة تسقط على رأسه فتؤلمه ألما عظيماً .. ولمّا يئس من إفهام عامر بحقيقته أدار وجهة نحو النهر. ومشى إليه حزيناً .. متألماً .. يذرف الدمع غزيراً ساخناً من شدة الحزن .. وقبل أن يغوص في الماء جاءه حجر كبير في رأسه ليزيد من آلام جسمه على آلام نفسه.. وأخذ الضربة ثم غاص في الماء. وظلّ يغوص حتى وصل إلى القاع، وقد استبد به الحزن وزاد عليه الهم.. وهانت عليه نفسه فتمنّى أن يموت أو تبتلعه الأرض، واستغرق في نوم عميق.. ثم أفاق وقد ارتاحت نفسه بعض الشيء من أثر الشيء  من أثر الصدمة الكبيرة، ثمّ صعد على سطح الماء وظلّ ينظر إلى صديقه عامر من بعيد وكان يحب عامراً كثيراً ولكنّه لا يجد سبيلاً إلى التقرب إليه

فخطر له أن يقوم بعمل يقرّبه من عامر ، فكان كل يوم ينتظر حتى يصعد عامر إلى عشّه فوق الشجرة ويأوي إلى فراشه لينام، ثم يخرج في هدوء مقترباً من الشجرة ويضع عندها قرعة كبيرة وقد ملأها بأشهى أنواع الأسماك، ثمّ يمضي بعيداً ويرقب عامراً عندما يأخذها كل يوم.. وقد تعجب عامر كثيراً من وجود هذا السمك اللذيذ الطّعم كل يوم تحت عشّه .. وحاول أن يعرف من الذي يأتي له بهذا السمك الشهي، ولكنه لم يستطع حيث كان هشام يأتيه بالسمك وهو نائم .. وأخيراً قرر أن يراقب المكان جيداً وينظر كيف يحدث هذا الأمر، واختفى خلف شجرة كبيرة ولم تغفل عيناه.. وأخيراً رأى التمساح يخرج من الماء بهدوء ومعه السمك ويأخذ من الاقتراب من مكان عش عامر ثم يضعه ويعود إلى النهر

وقد أثار هذا الفعل الفضول في نفس عامر .. وصار كل يوم يراقب التمساح وهو يأتي له بالسمك ، يضعه في مكانه ثم يعود إلى النهر في هدوء.. وخرج عامر من وراء الشجرة ذات يوم وانتظر بجوار المكان الذي اعتاد التمساح أن يضع فيه هديته .. وكان يجلس القرفصاء يفكر في هذا السلوك الغريب للحيوان ، وجاء هشام كعادته في هدوء ورأى عامراً مستيقظاً ينتظر ، ثم تقدم كعادته ووضع السمك بين يديه ورفع إليه بصره يريد أن يفهمه بعينيه ، ووقف صامتاً لا يستطيع أن يتكلم

مدّ عامر يده بهدوء ووضعها على رأس الحيوان التمساح وأخذ يربت عليها وهشام يرفع برأسه ليستزيد من ملامسة يد عامر الحانية .. وقد شعر عامر بأن له صديقاً بعد الوحدة الطويلة .. وكانت نشوة الفرح عظيمة جداً عند هشام، وأخذ يعدو إلى النهر ويسبح على سطح الماء ويريه مهارته في السباحة ويعرض قفزاته الرشيقة ليدخل السرور على قلب عامر، ثم يعود إليه سريعاً ليقف بين يديه ينعم بملامسة يد عامر لرأسه

وتوطدت صداقة متينة بين التمساح وعامر، فقد كان يركب كل يوم فوق ظهره لينتقل في النهر حيث يشاء .. ويقوم التمساح بحراسة صديقه عامر إذا نام .. واستمرت هذه الصداقة بينهما شهوراً عديدة، وعامر يتعلم كثيراً من جولاته العجيبة في النهر راكباً على ظهر التمساح الحميم

 

ونترك عامراً يقضي أطيب الأوقات مع صديقه الحميم هشام لنرى الأمين بعد أن تركناه وقد فتح عينيه وهو يسقط في حلبة الأسود والوزير يقف من ورائه بعيداً عنه لا يريد الاقتراب حتى يرى نتيجة مكيدته

… تابعونا الفصل الثامن …

Leave a Reply