…الفصل السادس…
دخل هشام النفق الثاني وأغلق عليه الباب، وما إن أغلق الباب حتى زلّت قدمه وسقط على أرض لزجة منحدرة واندفع بسرعة عظيمة وهو يتزحلق كأنه على منحدر من الجليد.. ومن الغريب أنه شعر كأن الهواء يجذبه بشدة لا يستطيع لها مقاومة.. وحاول أن يوقف نفسه فمدّ يديه حوله في كل اتّجاه ليمسك بشيء يحول دون انزلاقه ولكنه لم يجد، فأخذ يصرخ بصوت عالٍ .. فدوى رنين مخيف في النّفق لانبعاث صدى الصوت في كل مكان. واشتدّ به الانحدار اشتداداً عظيما زاد من سرعة اندفاعه
وأخيراً شعر بأنه يسقط في الهواء وأيقن أنه هالك لا محالة
وارتطم هشام بالماء ولم يكن يعرف السباحة .. والظلام يسود المكان ، وظل يغوص في الماء ويطفو وهو يقوم بحركات عشوائية لم تنفعه في السباحة ، وبلغ منه الإجهاد مبلغاً عظيماً ، وغاص إلى القاع وجوفه يمتلئ بالماء قليلاً قليلاً، وابتلع الكثير منه على غير إرادة منه أو رغبة
ووصل المسكين إلى القاع الصخري المسنن بين النباتات المائية الكثيفة وأيقن بالموت مرة ثانية.. وحضرت ذاكرته في هذه اللحظة حادثة قديمة فقد تذكر كل شيء في حياته منذ وعى هذه الدنيا حتى سقوطه وغرقه في الماء. مر ذلك أمامه في لمحة خاطفة كأنه عرض سريع لأعماله قبل الموت.. واستسلم المسكين لهذه النهاية ، وكان قد تجاوز رؤوس النباتات المائية متّجها إلى القاع، وما أن اصطدم بالصخر حتى حدث هدير عظيم ودويٌّ هائل للماء تبتلعه الأرض ، وكشف الماء عن نباتات عجيبة؛ سيقانها وأوراقها وأعوادها أضاءت بانحسار الماء عنها فبدت غابة عظيمة من نباتات وأشجار و أزهار كلّها تتلألأ بالنور والضّياء
وبهر هذا المنظر السّاحر عيني هشام وأخذته الدهشة ، واستبدّ به التّعجب من روعة ما تراه عيناه .. وقام يفرّغ الماء الذي ملأ جوفه من فمه ثمّ حملق فيما يحيط به دهشاً .. وكانت الغابة كثيفة … ثم صعد مرتفعاً قريباً منه وكان المنظر يزداد في عيني هشام سحراً .. وجعل ينظر يميناً ويساراً يبحث عن مخرج، فما وجد إلاّ امتداداً للنفق العظيم الذي تقع فيه هذه الغابة.. فاتّجه نحوه وحرص أن يبقى بجانب الغابة تفادياً لأغصانها المتشابكة .. ولحظ أن بعضاً من هذه الأشجار كانت تحمل نوعاً من الثمارمكوراً، يشبه القرع خفيف الوزن شديد الصلابة، لا يصلح للأكل.. ومضى في طريقه إلى امتداد النفق .. فمرّ بجوار غدير من الماء، ما لبث أن اتّسع قليلاً قليلاً حتى أصبح نهراً يمضي إلى داخل النفق الكبير، ووقف هشام لا يعرف ماذا يفعل، ثمّ خطر له أن يصنع عوامةً من أغصان الأشجار يمضي بها في هذا النهر، علّه يجد مخرجاً
وكان توفيقه عظيماً في عمل عوّامة من فروع النباتات المضيئة، ومن النبات المكوّر الذي يشبه القرع. وقد استعان على ربطها بألياف النباتات البحرية المتسلقة، وكان فرحه بهذه العوامة المضيئة كبيراً، ثمّ هيّأ مجدافاً من فروع الشجر.. وأنزل العوامة إلى النّهر، وركب فوقها وأخذ يمشي مع النهر.. عوّامة كأنها نسجت من نور تحمل هشاماً وتمضي به في النهر، كأنه زورق الأحلام في رحلة الخلود، ولم يقلل من روعة المنظر إلا خوف هشام من المجهول
مضى هشام بعوّامته مع تيّار الماء .. ثم رأى وهو يسير (كومة من البيض الكبير) على قطعة ضيّقة من شاطىء النهر.. فتّجه نحوها ثمّ وأمسك ببيضة وكسرها ثم شربها، وكان الجوع قد بلغ منه مبلغاً عظيماً.. ولم يكن طعمها شهياً ، ولكن الجوع جعله يتقبل أي شيء بشهية كبيرة .. وظلّ يأكل من البيض حتى شبع، وأخذ ما بقي من بيض معه في العوامة ليأكله إذا جاع، ثم سار بالعوامة، وبعد قليل كان تيّار الماء يشتدّ.. وفجأة شاهد حيواناً يشبه التمساح يسبح خلفه بسرعة.. وهو يصيح بصوت كأنه فيل مصاب، فما لبث أن ظهر بندائه كثير من هذه الحيوانات تسبح في سرعة نحو عوّامة هشام.. وتيّار الماء يشتد فيدفعه بقوّة .. وفزع هشام لما هو فيه، والعوّامة تزداد اندفاعاً وفجأة رأى النهر ينحني انحناءة كاملة حيث يسقط الماء في شلالٍ عظيم، فأصبح من المحتم عليه أن يقطع بالعوامة هذه الانحناءة ثمّ يسقط في هذا الشلال العظيم، وهو مندفع بعوّامته ولا سبيل إلى إيقافها .. بينما والحيوانات التي تشبه التماسيح تجري خلفه في سرعة عظيمة
وهو لا يجد لنفسه مخرجاً، فالشلال أمامه والحيوانات خلفه وهو لا يعرف السباحة، ووصلت العوامة إلى طرف الشلال عندما لحق به حيوان منها .. وفتح الحيوان فمه وأمسك بطرف العوامة، وسرعان ما لحقت به الحيوانات الأخرى وهجمت على البيض، وأخذ كل حيوان منها بيضة في فمه .. وهشام يتأرجح في عوّامته موشكاً على السقوط، وقد أدرك أن الحيوانات تبعته لتنقذ بيضها
ولمّا استعادت الحيوانات بيضها أفلتت العوامة من فم الحيوان الذي أمسك بطفها.. وقبل أن تميل مع الماء ساقطة في الشلال، هجم واحد منها على هشام (وكان بادي الغضب) وفي سرعة خاطفة أفرز سائلاً من فمه ونثره على هشام وهو يضربه بذيله ضربة قويّة، فسقط ، فسقط في الماء ،ثم شعر بأن أمراً غريباً قد حدث له، فقد تحوّل حيواناً مثل هذه الحيوانات التي تشبه التمساح، وأصبح بصره قوياً حاداً، وجسمه كبيراً وفمه أصبح متسعاً وقد ملئ بالأسنان، وأصبح له ذيل مثل ذيل التمساح وأرجل قصيرة
وأصبح قادراً على السباحة فسبح بسرعة بعيداً عن الشلال حتى لا يسقط فيه ، ولكن الحيوانات تكاثرت حوله وأمسكت به وعادت إلى حيث أكل البيض. وحاول هشام أن يتكلم ولكنه لم يعد قادراً على الكلام فقد صار تمساحاً
وقف هشام حيث كان يأكل البيض وأحاطت به الحيوانات من كل جانب.. وكانت لغتها غريبة فقد كان هذا الجمع أشبه ما يكون بمحكمة عقدت لمحاكمة هشام، لأنه اعتدى على البيض وأكل أربعاً منه .. وقد أعلن كبير هذه الحيوانات أنهم حوّلوا هشاماً إلى حيوان منهم، يعمل في هذا النهر خادماً مدة أربع سنوات مقابل الأربع بيضات، ثم يزول مفعول هذا السائل من تلقاء نفسه بعد قضاء هذه المدة .. ويرجع كما كان إنساناً .. فاستسلم وءار وجهه نحو النّهر، وغاص في الماء ليعمل خادماً طوال أربع سنوات
وكان عليه أن يقوم بتنظيف قاع النهر من الحصى والأحجار، ثم يردم فجوات فيها بالرمل الناعم يجلبه من أماكن بعيدة حتى يجهز وسائد من الرمل، تستريح عليها هذه الحيوانات في رقادها .. وقد أكسبت هذه المهمّة الشاقة خبرة عظيمة في دراسة جميع المنافذ التي تجلب الماء إلى النّهر .. وكان الكثير منها أشبه ما يكون بالأنفاق المتفرعة تحت الأرض
وخبِر الأسماء وأنواعها وعاداتها فكانت طعامه الذي يتغذى عليه، وحفظ النباتات والأعشاب المائية التي تنمو في قاع الأنهار وعرف الحيوانات المائية وعاداتها والحشرات التي تسكن الماء .. وقامت بينه وبين الضفادع صداقة متينة.. فقد كان لا يؤذيها، وشاع بين الضفادع أن خادم النّهر صديق الضفادع .. وقد تعوّد على حملها والسير بها مسافات طويلة من النهر وكان ذلك يسعد الضفادع كثيراً كما يدخل عليه شيئاً من الأنس، وقد تعودت الضفادع أن تأتيه كل يوم وتقص عليه الأخبار والأحداث التي تجري في طول النّر وعرضه، وعلى شواطئه وفي روافده.. فكان يزداد كل يوم علماً جديداً بمسالك الماء، وقد كلف أصدقاءه من الضفادع أن يأتوه بأخبار المسالك التي تصل هذا النهر بدنيا الإنسان، وكانت الضفادع تنشط كثيراً لتقدم أنباء المسالك لخادم النهر المخلص
وفي يوم جاءه ضفدع صغير وأخبره خبراً عجيباً .. وقفز الضفدع الصغير على رأس هشام حارس النهر، وانطلق هشام يسبح بأقصى سرعة والضفدع يدلّه على الطريق الذي جاء، وقد سلك به الكثير من مجاري المياه والقنوات في طريقهما صاعدين إلى منابع النهر، حتى دخلوا من خلال نفق ضيّق إلى النهر الكبير الواسع الذي تنساب مياهه في مغارة عظيمة الاتساع، ثم أشار الضفدع جهة الشاطئ المقابل فلمّا وجّه حارس النهر هشام نظره إلى حيث يشير الضفدع الصغير إذا به يرى أمراً عجباً
وهنا نترك هشاماً حارس النهر مع الضفدع الصغير … ثم نتابع عامراً في رحلته


