17
December

ثمانون عاماً .. الفصل الخامس

 

…الفصل الخامس…

أما الأمين فقد اختار له الثعلب ( النفق الأول )ـ

وهشام دخل النّفق الذي يليه، وعامر دخل النفق الثالث   ….  وتراجع الثّعلب الكبير قليلاً، ثمّ حرّك حجراً أمام الأنفاق، فقُفلت أبوابها الضخمة على الثلاثة

وما إن أغلق النفق على الأمين وكان الظلام حالكاً، حتى بدت من بعيد نقطة صغيرة مضيئة، تقبل نحوه في جلبةٍ عظيمة وضوضاء صاخبة. ثم مالبث أن اقتربت منه، فازدادت وضوحاً ، ولمّا دنت منه رآها خيولاً مضيئة وممتلئة قوة وحيوية لا تكاد أقدامها تستقر على الأرض

وقد امتطى ظهر هذه الخيول رجال تبدو عليهم الغلظة والوحشية.. ولم يمهلوا الأمين فأخذوه وأوثقوه إلى حصانين وربطوا كل رجل من رجليه بحصان وكانوا كثيرين، وتحرك الموكب والأمين يئنّ بين الحصانين من شدة الألم..

وكان الحصانان يعدوان بسرعة عظيمة يقودان اثنان من هؤلاء الرجال الغلاظ وكلّما مر الموكب الصاخب على جماعة من هؤلاء الفرسان صاحوا تحية لهذا الصّغير

ووصلوا إلى ميدان فسيح امتلأ بهذه الخيول المضيئة ثمّ افسحوا الطريق أمام الحصانين اللذين قيد فيهما الأمين

ووقف عملاق ضخم يستعد لإطلاق إشارة .. كي ينطلق كل حصان في اتجاه فيمزقان الأمين إلى نصفين .. والأمين يصيح بأعلى صوته ولكن أحداً لم يسمعه، وضاع صوته وسط صياح هؤلاء الفرسان الغلاظ

وأطلق العملاق إشارة ( البدء ) .. وكانت هذه هي الإشارة الأولى التي يبدأ الجميع بعدها في الرقص حول أنفسهم فرحاً بالاستعداد لتمزيق الفريسة  ..  ثمّ أطلق الإشارة الثانية فأخذ هذا الجمع الهائل يصيح صيحة واحدة عالية .. واتّجهت أنظارهم جميعاً إلى الأمين وهو مقيّد بين الحصانين إذ لم يبق له غير برهة قصيرة، وساد المكان صمت شديد في الإشارة الثالثة

وأطلق العملاق الإشارة الثالثة ..  ولشد ماكانت دهشة الجميع حين وقف الحصانان جامدين لا يتحركان .. وبدأ كلٌ من الفارسين العملاقين يلكز حصانه بشدة كي يجري أو يتحرك ولكن الحصانين لم يتحرّكا ؟؟!!؟

وأقبل واحد من هؤلاء العمالقة يعدو سريعاً، ثمّ نظر إلى الطريقة التي قيّد بها الأمين، فوجدها صحيحة.. فقام على مكان مرتفع وصاح بأعلى صوته: إن الطريقة التي قيّدت بها الفريسة صحيحة، ثم أمر باستبدال الفارسين بفارسين آخرَين، وأطلق الإشارات الثلاثة ولكن الحصانين المضيئين لم يتحركا 

ولم يتمكن العمالقة من إجبار الحصانين على الحركة وقد تعاورهما الفرسان جميعاً.. وأخيراً وبعد هذه المحاولات كلها، كان الجميع يتحدثون فيما بينهم عن هذا الأمر العجيب الذي لم يشاهدوا أبداً مثله ولا يعرفون له سبباً وبخاصة أن الخيول المضيئة لا يقف في سبيلها شيء .. وصار الجميع يعتقدون أن في الأمر سراً لا يعرفه أحد ، وأخذ بعضهم يسأل بعضاً عمّا يكون هذا السر

وبلغ الخبر ملك هؤلاء القوم ، وكانوا يسمونهم الدوشيم.. فتعجب كثيراً وأرسل إلى امرأة عجوز وقال لها .. اذهبي إلى الصبي الغريب المقيد بين الحصانين، وأخبريني بحقيقة الأمر، فذهبت العجوز إلى الميدان ولمّا وصلت أفسحوا لها الطريق على الفور، وذلك أنهم كانوا يحترمونها ويجلّونها

أقبلت العجوز على الأمين ونظرت إليه فإذا هو قد أغشي عليه من شدّة الألم .. ومدت يديها وفتحت عينيه بإبهاميها ونظرت فيهما طويلاً ثم عادت إلى ملك الدوشيم، ودخلت عليه في مجلسه .. ولمّا مثلت بين يديه وقفت وقالت:ـ

أيها الملك ( إن الخيول المنيرة لا تقتل صبياً في قلبه نور)ـ

وأمر الملك على الفور بالصبي – ففكوا قيوده وأحضروه ، ووضعوه أمام الملك وكان مازال مغشياً عليه.. فلمّا أفاق ، وجد نفسه أمام ملك الدوشيم الذي تحيطه حاشية كبيرة من الحرّاس والوزراء والخدم والحشم ورجال الدولة وأرباب الصولة، وكانت المرأة العجوز تجلس إلى جوار الملك على الأرض.. فبادر الأمين الملك قائلاً:ـ

ـ السلام عليك أيّها الملك

ـ تعجّب الملك من هذه التحية الغريبة التي لم يسمعها من قبل هذه اللحظة، ونظر إلى العجوز قائلاً: أهو الذي يطلب لي السلام والأمن في ملكي؛ أم نحن الذين نمنحه الأمن والسلام؟

قالت العجوز: أيها الملك إنّها تحية أهل النور؛ دعاء يتبادله الناس صغارهم وكبارهم ، إذا التقوا وإذا افترقوا .. والصبي قدّم لك أحلى ما يملك من شعور بأحلى ما عندهمم من عبارة ولفظ

ـ استبشر الملك كثيراً لشرح العجوز وقال لها:ـ ( إذا كان الصبي قد قدم لي مثل هذه الهدية العظيمة فسأعطيه هدايا أعظم مما قدمه لي، ولكن بماذا أرد عليه؟ )ـ

ـ قالت العجوز: رد تحيتهم أيها الملك هو: السلام على من يلقيها

ـ فنظر الملك إلى الأمين وقال: السلام عليك

ـ وتبسّم الأمين ابتسامة عذبة فقد شعر أنه مطمئن  ….  واستمر الملك قائلاً: ـ

ـ ولكن هذا لا يكفي ، وأشار إلى خدمه أن يهيّئوا الطعام والشراب.. وماهي إلاّ ساعة حتى أحضر الطعام والشراب ودعا الملك جميع الجالسين لمشاركة الضيف الصبي .. ومالت المرأة العجوز فهمست بكلمات في أذن الملك .. فنظر الملك إليها ثم نظر للأمين وظل يفكّر ملياً، ثم قام من مجلسه وأمر الجميع ألاّ يغادروا أماكنهم. وغاب ساعة أو نحوها ثم عاد .. وجلس على سريره ووقف الجميع ثم قال:ـ

إن العجوز قد أشارت عليّ بأن أزوج ابنتي الأميرة الصغيرة (تاتي) لضيفنا الصبي الصغير، وقد وافقت على ذلك حتى يكون للأميرة الصغيرة أبناء في قلوبهم نور

ثم أصدر الملك أمره إلى أحد وزرائه أن يأخذ الصبي ويعدّه لهذه المنزلة الكبيرة، حيث سيصبح زوج الأميرة الصغيرة. وكان هذا الإعداد يقضي بأن يمضي الأمين أربع سنوات يتدرب فيها على الفروسية ليصبح أقوى الفرسان ثم يعود بعد هذا التدريب الشاق ليتزوج الأميرة تاتي

ركب الأمين فرساً خلف الوزير الذي كلّف بإعداده ومضى في رحلة التدريب. وبعد رحلة طويلة وصلا إلى حلبة الأسود وقال الوزير موجهاً كلامه للأمين:ـ

ـ عليك أن تأخذ هذا الخنجر وتنزل إلى حلبة الأسود وتذبح واحداً منها وتشقّ صدره وتحضر لي قلبه ، فإن قلب الأسد سيكون عوناً لك على كثير من العقبات التي تصادفك .. ثم أعطاه الخنجر وذهب به إلى حافة الحلبة، وكان بها عشرة أسود كبار.. تنظر إلى الأمين بعين الرغبة في الافتراس وهي تروح وتغدو في نشاط عظيم ويُسمع لها زئير متّصل ترجف لسماعه الأرض.. كما كان لها زمجرة عميقة ترعب سامعيها .. واقترب الأمين من الحلبة رويداً رويداً، حتى وقف على حافتها وهو ينظر لهذه الأسود النهمة، ولا يدري ماذا يفعل في هذه المهمةالشاقة، وأيقن أنه هالك لا محالة بين أنياب هذه الأسود التي تنتظر سقوطه

وأظلمت الدنيا في عيني الأمين والخنجر في يده ليست له خبرة في استعماله. وهذه الأسود الكاسرة لا ينفع معها هذا السلاح.. ومرّت برهة صغيرة والدنيا سوداء في عيني الأمين من شدة الموقف.. ولمّا همّ الأمين بفتح عينيه كاد يسقط في حلبة الأسود.. والوزير الذي جاء يصاحبه يرى هذا المشهد الرهيب 

ارتاع الوزير لما رأى وارتدّ فزعاً لا يقوى على رؤية الأمين بين الأسود، وامتطى صهوة جواده وعاد ليخبر الملك بهذه النهاية المفزعة .. وكان حزيناً مهموماً كاسف البال. ودخل على الملك وحده ليس معه الأمين.. ولمّا دنا منه وقف صامتاً مطرق الرأس وقد اغرورقت عيناه بالدمع.. ولمّا رآه الملك فزع وسأله ما الخبر .. أين الصبي؟ وكان يعني الأمين .. ولكن الوزير وقف صامتاً ودموعه تنهمر على خديه واندفع الملك نحوه وأمسكه بكلتا يديه يهزّه بعنف ويقول : أجبني أين الصبي؟ أين الصبي؟ .. وأقبلت حاشية الملك ووقفت في ذهول لغضب الملك .. وجاءت الأميرة الصغيرة تاتي فلمّا رأت عودة الوزير وحده وحزنه الشديد أدركت أن هناك أمراً سيّئا قد حدث.. وأن خطيبها الصبي قد أصيب بمكروه، فأخذت تبكي بكاءً شديداً ثم أخذتها أمها بعيداً عن الوزير تهدّئ من روعها وتخفف آلامها

ثم إن الملك أمر الوزير بالجلوس أمامه، فجلس .. وطلب منه أن يروي ما حدث . فقال الوزير:ـ

بينما كنا نسير في رحلتنا لأعلم الصبي الفروسية وفنون الشجاعة والقتال .. وإذ مررنا بحلبة الأسود الكبيرة .. ولمّا رآها الصبي وقف ينظر إليها بأنفة عظيمة وكبرياء، وقال لي: إننا في بلادنا ننازل هذه الأسود ونصرعها بسهولة عظيمة، فهل تفعلون أنتم هكذا؟ فلمّا قلت له إننا لا نستطيع. طلب منّي خنجراً وقال لي: انظر إليّ فلسوف أنزل إلى هذه الأسود وأقتل أحدها وأحضر قلبه هدية للملك حتى يعرف أننا قوم شجعان .. فصدقته على الفور لما كنت أعلم من أعجوبة الفرسين الذين رفضا الجري لتمزيقه،، فأعطيته الخنجر ووقفت أشاهد ما سيفعله مع الأسود .. ثم نزل إلى الأسود .. ولكن .. (وانفجر الوزير باكياً) وصار ينتحب بصوت عالٍ وهو يُظهر الحزن والأسى

فأطرق الملك وأمر بإعلان الحزن في البلاد وجاءت الدوشيم من كل مكان يشاركون الملك حزنه على فقدان الصبي العجيب خطيب الأميرة تاتي .. ومرت الأميرة الصغيرة من شدة الحزن ولم يفلح الأطباء في علاجها أو إعادة الابتسامة العذبة الحلوة إلى ثغرها أو البشر إلى وجهها  .. ولمّا علمت المرأة العجوز بما حدث وعلمت بمرض الأميرة الصغيرة طلبت من الملك أن يسمح لها بزيارتها ، فسمح لها .. ودنت المرأة العجوز من الأميرة الصغيرة وأخذت تهمس في أنها بحديث طويل .. فأمرت الأميرة الصغيرة كل من كان حاضراً بالخروج .. فخرجوا، وبقيت الأميرة وحدها مع المرأة العجوز وقالت الأميرة:ـ

ـ أعيدي عليّ الحديث، فإني أحب أن أسمعه ونحن الآن وحدنا .. فهيّا

قالت العجوز: ـ…………………..ـ

 

وهنا نترك العجوز تتمّ حديثها مع الأميرة تاتي .. ونتابع هشاماً في رحلته

…………………..
تابعونا في الفصل السادس

Leave a Reply