…الفصل الرابع…
واهتلّ الفأر هذه الفرصة فقفز إلى كرسي الرئاسة، وما إن رأت الحيوانات كرسي الرئاسة قد شُغل حتى انتظمت في أماكنها بسرعة هائلة .. وأصبح الفأر ليس معه مساعدين، وهو يدرك ضعفه وسط هذا الحشد .. فعمد إلى الحيلة، وفضّل أن يدير شؤون القضاء دون مساعد، فأصدر أمره بالوقوف فوقف الجميع، ثم ألقى عليهم درساً يدعوهم فيه إلى طاعته فهو( الرئيس الجديد ) فقد اعتلى كرسي القضاء، ولم يمهلهم كثيراً للتفكير، بل أمرهم بالانصراف إلى أعمالهم فانصرفوا لساعتهم، ووضع حارساً بالباب وأمره ألاّ يسمح لأحد من الحيوانات بالدخول إلا بعد موافقته
وعيّن واحداً من هذه الحيوانات منفّذا للأحكام وبقي في القاعة:ـ ( الفأر على رسي الرئاسة، المساكين الثلاثة الأمين وهشام وعامر ، منفّذ الأحكام وحارس الباب )ـ
ولمّا انصرفت الحيوانات إلى خارج القاعة متّجهة إلى أعمالها، كانت تتحدث عن الحكمة والحزم اللذين استهل بهما القاضي الجديد أعماله، وقد بهرتهم سرعته في سيطرته على الحيوانات
وما إن تمّ له الأمر بهذه السرعة، حتى خطرت له فكرة يدعم بها مكانته، وكان قد أدرك أن الأمر سيستقيم له طالما جلس على كرسي الرئاسة الذي يجلس عليه الرئيس، وبين الحيوانات التي تتطلّع إليه وتراودها نفوسها في اعتلائه منتهزة فرصة كالفرصة التي أتت بالفأر من غير تدبير سابق
فنادى منفّذ الأحكام الذي لبّى على الفور ومثُل بين يديه وطلب منه أن ينقل كرسي الرئاسة إلى الغرفة الداخلية حيث سيدخل الفأر ويتفرّغ لإدارة أمور المملكة وهو جالس على الكرسي داخل الغرفة، ثم قال لمنفّذ الأحكام سأدخل هذه الغرفة وأقفل الباب على نفسي، وعليك أن تأخذ أوامري مكتوبة، من هذه الفتحة وتقوم بتنفيذها وتضع لي في كل صباح الشكاوى والقضايا التي ترد إلىّ
وهذه هي طريقتي في إدارة شؤون المملكة، وإن جميع الحيوانات قد جبلت على الطاعة، لمن يعتلي كرسي الرئاسة، وسأحتفظ به مصوناً في هذه الغرفة بعيداً عن أيدي العابثين
ــ هل فهمت ؟ .. قال ذلك موجّها حديثه لمنفّذ أحكامه
ــ نعم سيدي
ــ وإني سأنعم عليك برتبة عظيمة جزاء إخلاصك، فقد كان اسمك قبل اليوم ثعلباً، أما اليوم وابتداءً من الآن فسيكون اسمك (الثعلب الكبير )، فإن هذه الرتبة التي أنعمت عليك بها ستجعلك كبيراً
ثم همّ بالانصراف لدخول الغرفة والانفراد بكرسي القضاء وقد انتفخت أوداجه، وامتلأ نشوةً وفرحاً بهذا النصر السريع، وهو الدارس الفاهم لسلوك الحيوانات جميعاً والعالم بأنها ستسمع وتطيع لكل من يعتلي الكرسي ولو كان فأراً
وكانت حيلته بإبعاد الكرسي عن متناول الطامحين والطامعين عظيمة جداً، وبخاصة أن الكرسي سيكون داخل غرفة مغلقة فلن يراه أحد من الحيوانات بعد اليوم، حتى أقرب الحيوانات إليه وهو المنفذ للأحكام
وناداه الأمين قبل أن يهمّ بدخول الغرفة قائلاً:ـ
ــ أيّها الرئيس .. نحن نهنّئك ونهنئ أنفسنا بعهدك الجديد الذي يتّصف بالحكمة والحزم.. وإن رعايا مملكة الأمير الذين يتشرفون بإدارتكم لشؤون المملكة واثقون من تحقيق العدالة كما نثق نحن كذلك . والعهد السابق لم يأمر لنا بالطعام والشراب وتركنا جياعاً وهذا لا يحدث إلا في عهود الظّلم ولذلك انتهت نهاية سيّئة، وعهدكم الميمون أرفع شأناً من أن يجوع فيه أو يعطش أي مخلوق تظلّه مملكتكم، ولهذا سيكون عمرُ عهدكم مديداً
كما أننا نطلب العدل في التّهمة التي وجهها إلينا الخنزير السابق .. لأنها تهمةٌ باطلة ، فقد جئناكم للزيارة ولم نأت للتجسس، والتجسس عمل يقوم به الكبار ، أما نحن كما ترى فما زلنا صغاراً
ــ فلنا سمع الفأر هذا المديح والثناء العاطر على حكمته وعهده.. وبخاصة كلمة ( ميمون ) التي قال إنها أعجبته جداً .. ثم سأل منفّذ الأحكام عن معناهافشرحها له
قال لمنفّذ الأحكام: أحضِر لهم أطيب طعام وشراب وسأدخل غرفتي وأكتب الحكم على هؤلاء في هذه القضية فخذه واقرأه عليهم ونفّذ ما فيه، ولا أحب أن تراجعني فيما آمرك به، فإن التردد من طبع الرؤساء السابقين وليس من طبعي .. هل فهمت؟
ــ نعم سيدي
ودخل الفأر الغرفة وأغلقها منفرداً في نظره إلى الأبد بتولّي شؤون المملكة، ثم ذهب الثعلب يحضر الطعام الذي أمره به لهؤلاء المتّهمين .. وخلت القاعة إلا من الثلاثة ( الأمين وهشام وعامر ) فهمس هشام موجّها كلامه للأمين:ـ
لقد تتبعت حديثك مع هذه الحيوانات فما سمعت حديثاً أمتع وأعظم حيلة ممّا فعلته
الأمين: يا هشام.. لقد أدركت أننا هلكى عندما ساقونا إلى حفرة النار، وأيقنت ألاّ سبيل للنجاة من قبضة هذه الحيوانات، فآثرت أن أواجهها بشجاعة خاصة، وقد كنت مشفقاً عليكما أنت وعامر، لأني أنا الذي دعوتكما، وأحبّ أن أبذل قصارى الجهد في دفع الأذى عنكما وعن نفسي بالشجاعة .. فوجدتها سلاحاً عظيماً أخاف الذئب الحمار بعد أن كنت أنا خائفاً.. ثمّ هذه الحيوانات تعاملنا بعداوة عظيمة ، ولا ينفع فيها إلاّ الحيلةالتي توقع بينها وتنجّينا من شرّها
وما إن أتم كلامه حتى حضر منفذ الأحكام ( الثعلب الكبير ) ومعه سلال من الفواكه، وقربة ملئت ماءً ووضعه أمام الثلاثة، فأقبلوا يلتهمون الطعام بنهمٍ عظيم، وبينا هم يأكلون ويشربون كان منفّذ الأحكام الثعلب الكبير يتحرك جيئة وذهاباً أمام باب غرفة الرئيس
وقد ظن الأمين أول الأمر أنه ينتظر ورقة الحكم الخاصة بقضيّتهم، ولكن الثعلب الكبير كان يقوم بحركات تنمّ عن القل والتفكير العميق إلى الحد الذي جعله يحدّث نفسه همساً.. ومازال يتحرك هنا وهناك ويقف كأنه يواجه جموعاً من الحيوانات يخاطبها
وقد همس الأمين لصاحبيه بالسكوت، وملاحظة الثعلب الكبير وهو يحدّث نفسه ومالبث أن ارتفع صوته قائلاً:ـ
حقاً إن الحيوانات لا تفكّر جيداً، وهذا الفأر الذي استأثر بكرسي الرئاسة بسرعة وبساطة عجيبين بماذا يفضلني .. لا شكّ أني أفضل منه، ولا يستطيع هذا الفأر أن يبلغ منزلتي في التفكير والحيلة والدهاء، وأنا أحقّ منه بمرتبة الرئاسة والجلوس على هذا الكرسي. ولكن من لي بحيلة تخرجه من الغرفة فأدخل وأستولي على الكرسي .. آه .. لقد وجدتها، إنها فكرة بسيطة، ( الفأر ) يخشى مواجهة الحيوانات ، وسأخيفه كل يوم من الخروج ، فسيبقى هو في الداخل ويعطيني أوامره من فتحة الباب، فسألغيها وأعطي أوامر من عندي، وتنفذ أوامري أنا، فأنا الذي سآمر الحيوانات ولا حاجة لي حينئذ بكرسي الرئاسة
وما إن انتهى من كلامه حتى انفجر ضاحكاً واستمرّ يضحك قائلاً: يا لغفلة الحيوانات ويا لغباوة الرئيس الفأر.. ونظر فإذا بالقاضي قد أبرز من الباب صحيفة فيها الحكم، فتناولها الثعلب الكبير وقرأها ، وأقبل نحو الأمين وهشام وعامر وأمرهم بالوقوف، فوقفوا .. ثمّ قرأ عليهم أمر الرئيس الفأر وكان يقضي بسجنهم مدى الحياة، فكانت صدمة كبيرة فاجأتهم، حيث كانوا يتوقعون حكماً خفيفاً بعد حديث الأمين للفأر .. ولكنه على أية حال أخفّ من حكم الخنزير عليهم بالموت حرقا
ولمّا همّ منفّذ الأحكام الثعلب الكبير باقتيادهم إلى السجن، قال له الأمين مستعطفاً:ـ
نرجوك أيها الثعلب الكبير أن تخفف عنّا فهذا الحكم قاسٍ
قال الثّعلب: كلا، عليكم تنفيذ أمر الفأر
قال الأمين: أنت طيّب القلب وهذا الحكم لضيوفكم فيه ظلم كبير
الثعلب الكبير: أنا أنفّذ أوامر الرئيس
الأمين: إذاً فسيعزلك القاضي ويسجنك أنت
الثعلب: لماذا؟
ــ لأننا سمعناك تحدّث نفسك بصوت عالٍ، دون أن تنتبه لما تفعل وذكرت أنك ستغيّر أوامر القاضي وتصدر أوامر غيرها. ولو عرف القاضي الفأر بذلك لعاقبك أشد العقاب
ــ أوقد سمعتم ما قلت؟
ــ سمعناه من أوله لآخره
وها أنا ذاهب إلى باب القاضي الفأر لأقص عليه ما تضمر نحوه
ــ كلّا كلّا .. أرجوكم، أتوسل إليكم وسأخفف عنكم الحكم ولكن بشرط!!؟
ــ ما هو ؟
ــ أن تقبلوا أول حكم أحكم به
ــ قبلنا الشرط
ــ حكمت عليكم بالخروج من مملكتنا ولكن متفرقين، كل واحد من طريق
ــ نشكرك كثيراً هذا هو العدل الذي انتظرناه طويلاً
ــ إذن فليودع كل منكم الآخر، فقد يطول بكم الطريق
فلما سمعوا بطول الطريق ساورهم الخوف، وبخاصة أن كلاً منهم سيسير منفرداً. وقد أعطوا الثعلب موثقاً ولا يستطيعون تغييره
ــ ثم قادهم الثعلب الكبير إلى حيث سيمضون في رحلتهم. وسار بهم في طريق طويل ودخل غرفةً مظلمة مظلمة ثمّ قال لهم:ـ
انتظروني لحظةً واحدة .. ثم خرج وأقفل الباب، وبعد لحظة ٍ أطلّ عليهم من كوّة صغيرة في أعلى الجدار ونظر إليهم وقال:ـ
ــ الآن أنتم في السجن الذي تنفذون فيها الحكم الذي صدر عليكم .. ولا يظنّ صاحبكم هذا ( وأشار إلى الأمين ) أنه أعظم منّي حيلة فيجرؤ ويهددني بتبليغ القاضي الفأر، ثمّ اختفى من الكوّة ، والأمين يناديه:ـ
أيّها الثعلب الكبير … أيها الثعلب الكبير ….ـ
ولكن الثّعلب كان قد تركهم وذهبإلى حيث ينتظر خارج غرفة الرئيس الفأر، وظلّ يتحرك جيئة وذهاباً كما هي عادته عندما يفكّر في مكيدة .. وأخيراً فضّل أن يطلق سراحهم ويتركهم يذهبون، خشية أن يطّلع أحد على السّر الذي يعرفونه وحدهم، وعمّا عزم عليه الثعلبوذهب في اليوم الثاني وقال لهم: سأنفذ ما حكمت به عليكم، ولكنّي أحببت أن ألقّنكم درساً لتعلموا أنّ كلّ ذي حيلة يوجد من هو أشدّ منه حيلة
والآن هيّا حتى تخرجوا من مملكة أميرنا، واقتادهم أمامه خارج السجن، وسار بهم في درب أخرجهم إلى مشارف المملكة، ووقف الجميع أمام أنفاقٍ عديدة!!؟؟
قال لهم الثّعلب: الآن فليودّع كل منكم الآخر. والتقت عيونهم يفيض منها الدمع لفراق بعضهم بعضاً، وتعانقوا وتصافحوا ودعا كل واحد منهم للآخر بالخير


