…الفصل الثالث…
أفاق عامر وهو يئن أنيناً متواصلاً .. والمكان كله يهتزّ لصدى الصوت .. وكأنه يشارك عامراً أنينه.. وعيناه تنظران إلى سقف القبو لا تتحولان عنه .. وعلى صدره أيد حانية تهدهده ليستجمع وعيه، ومال رأسه قليلاً فالتقت عيناه بعيني الأمين تنظران إليه بشوق وحنان عظيمين وسمع صوتاً يقول له:ـ
لله الحمد على سلامتك يا عامر، وماكان هذا الصوت إلا صوت هشام ينبعث من الجانب الآخر ، وأدار رأسه فالتقت عيناه بعيني هشام منفرجاً ثغره عن ابتسامة دونها عذوبة الجمال
فما صدّق عينيه وقام برأسه وهو يقول: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمدلله ، الحمدلله) ، ثم أردف قائلاً: (لقد كنت في حلم مزعج)ـ
فقال الأمين : أي حلم ..!!ـ
قال عامر: لقد رأيت أشياء مخيفة في منامي!!ـ
قال هشام: أي منام يا عامر ؟ هدئ نفسك إنها حقيقة
ــ الحقيقة ؟
الأمين: نعم، وأنت بخير ولله الحمد، ونحن كذلك، فقم وهيّا ننظر في أمرنا ونفكّر في طريقة للخلاص مما نحن فيه
تنبه عامر وقام فإذا هو بين رفيقيه في قبو مظلم إلاّ من خيط رفيع للضوء يتسلل خلسة من ثقب ضيّق في سقف القبو .. ونهض يعانق صاحبيه الأمين وهشاماً ويملأ عينيه بالنظر إليهما، فعل الجائع الذي وجد الطعام بعد طول انقطاع .. وكان حقاً يشعر بجوع البطن وجفاف الحلق من العطش .. ولكن بقاءه وحده كان يخيفه ويشعر بوحشة ترهبه.. وأمّا الآن، فقد أنس صاحباه بلقياه. فكان ذلك في لحظته هذه أعظم من شهيّ الطعام وبارد الشراب
قام الجميع يتحسسون جدران القبو، ويفحصون أحجاره، حجراً حجراً .. يطرقونه بأيديهم عسى أن ينفرج أحد هذه الأحجار عن مخرج، وكان هشام يفحص أرض القبو عندما لحظ ثقباً ضيقاً يشعّ تحته الضّوء. فانكفأ على صدره ينظر في هذا الثّقب وهو ينادي صاحبيه، وأخذ يهلل بألفاظ وكلمات تنمّ عن عجب شديد وهو ينظر من هذا الثقب .. وصاحباه يستحثانه على جلاء الأمر، وهو مكبٌ لا يزيد عن ألفاظ التعجب وكلمات الاستغراب…ـ
وأزاحه الأمين بيديه ليستجلي ما يكشف عنه هذا الثقب، وما إن وضع عينيه ليرى، حتى كان عجبه أشد من عجب صاحبه وكلماته وألفاظه أعظم تعبيراً وأكثر استغراباً من صاحبه هشام
ودعا الأمين عامراً إلى رؤية ما يكشف عنه هذا الثّقب. وما كاد عامر يضع عينيه ليرى ما رأى صاحباه حتى تعالى صوته بالتهليل وصيحات التعجب وكلمات الاستغراب، ثم أزاحه الأمين دفعاً براحتيه، وبدأ ينظر، ثمّ أشار إليهما بالسكوت .. وأخذ يصف ما يراه وصفاً دقيقاً .. فقال: إنها سوق كبيرة جداً، ميادينها فسيحة، ويملأ شوارعها مخلوقات غريبة، كلها تروح وتغدو في همة وسرعة
ها هو أحد هذه المخلوقات يمشي بين أقرانه ويربو عنهم جسماً وله ثلاثة أرجل .. فصاح هشام : ( تقول ثلاثة أرجل يا أمين )؟
ــ نعم .. كلا .. كلا .. رجلان وذيل طويل ، حسبته رجلاً أول الأمر.. ها .. كل المخلوقات تحملها أمهاتها تماماً كما يفعل الناس
والأمهات لها ذيل قصير.. ـ
عجباً .. إن هذه المخلوقات لها مشية غريبة .. كلها تتراقص وتتمايل ويحيي بعضها بعضاً، وألحظ أنه كلما تقابل اثنان وضع كل منهما يده في فم الآخر ثم يبدآن العض .. وبعد برهة يصرخان فتنفرج..!! ويسحب كل واحد منهما يده من فم صاحبه
آه.. إنها تحيّتهم .. وهي تكرر كثيراً مما يجعل السوق كلّه ضاحكاً لهذه التحيّة الطريفة
آه .. لقد أقبل موكب عظيم من هذه المخلوقات متّجهاً إلى الميدان الكبير، وكلّما مر بقوم منهم لحقوا بالموكب .. حتى انتظم الحشد جميع المخلوقات كلّها, وتوسط الجمع الميدان، ووقفوا في قوسٍ منتظم، ثمّ تقدم كبيرهم حتى توسّط الجمع وأشار لهم بيده.. فصدرت على الفور أنغام أطلقها جميع ما في الميدان من المخلوقات العجيبة.. ولشد ما كان العجب أن جاء النغم من أصوات عذبة رخيمة حلوة.. لم يكن كلامها مفهوماً. ولكن النشيد الذي ترنّموا به انساب مزيجاً حياً من التعبير الجميل بلحن يدخل البهجة على نفوس المكروبين، فيزيل ما بها ( فعل البلسم الشافي في الجراح )ـ
ما أعظم راحة النفس عند سماعها لأصوات هؤلاء في تغريدهم الرائع .. كان لإنشادهم في نفس الأمين فعل السحر، وأدار أذنه يضعها على الثقب، كي يشجي أذنه بمزيد من عذوبة النغم
ودارت عيناه .. فراعه أن رأى صاحبيه ملتصقين بالحائط في ذهول المفتون من الخوف .. وأدار رأسه إلى الناحية الأخرى!ـ
فرأى حيواناً غريباً ، رأسه يشبه رأس الفهد المفترس .. وجسمه كجسم الطائر الكبير يرمي الأمين بشرر يتطاير من عينيه المتّقدتين .. ويشير إليه بجناحه أن يقف بجوار رفيقيه في صمت وهدوء… ـ
ووقف الحيوان بجوار فُرجةٍ واسعةٍ فُتحت من الجدار، ثم نشر جناحيه كأنه يؤكد سيطرته على الثلاثة .. وكشّر عن أنيابه فبدت مخيفة
ثم طوى جناحه أمام عينيه كأنه صحيفة رفعها للقراءة.. وشد ما كان دهشة الثلاثة ( الأمين ، هشام وعامر ) حين بدأ هذا الحيوان يقرأ..؟؟ وكان صوته مخيفاً، له رنين غير منتظم يبعث الرعب في نفوس سامعيه .. فضلاً عن مشاهديه
قال الحيوان الطائر: ( الأمير أمر بتقديمكم للمحاكمة، فقد اعتديتم على مملكته ودخلتم دون إذن، فأنتم جواسيس وستحاكمون بهذه التّهمة الخطيرة والمحكمة الآن منعقدة، وجئت آخذكم للمثول أمامها)ـ
وأشار بطرف جناحه إلى الثلاثة أن يمشوا أمامه في الفرجة المفتوحة في الجدار فساروا في ممر مظلم . والحيوان الطائر يقودهم أمام .. فإذا بهم يدخلون قاعة المحكمة، ولشد ما كانت دهشتهم أن رأوا… قاعة فسيحة يتصدرها خنزير قبيح الشكل، وعن يمينه فأر أشبه بفئران الغيط البرية.. وعن يساره ثعبان أسود أشبه ما يكون بثعبان ( الكوبرا )ـ
ثم جلست بعض الحيوانات الدميمة الشكل التي لا يعرف لها أصل أو فصيلة، يمكن أن تنسب إليها عن يمين الهيئة وشمالها .. ثم إن القاعة قد غصّة بحشود كثيفة من حشرات ٍ ضخمة ( ضخامة الحيوانات )ـ
وكان منظر القاعة يثير الخوف والهلع .. وقد انبعثت منهاروائح كريهة عفنة، لا سبيل إلى تجنب الغثيان الذي تثيره عندما تشمها الأنوف
ووقف المساكين الثلاثة على مدخل القاعة، وقد حاروا ماذا يفعلون وسط هذا الجمع الكثيف الكريه .. فدفعهم الحيوان الذي استدعاهم نحو صدر القاعة، وأمرهم بالمثول أمام رئيس هذه المحكمة العجيبة (الخنزير البري الكبير )ـ
وامتثل المساكين الثلاثة .. وساروا للأمام يجرّون أرجلهم الثقيلة حتى وصلوا إلى صدر القاعة .. ووقفوا صامتين بين يدي القاضي العجيب، وقد أطرقوا رؤوسهم إلى أسفل خوفاً وتجنباً لرؤية هذه الحيوانات المفزعة
قال القاضي العجيب: ( إن المحكمة بعد دراستها للقضية واقتناعها بثبوت جريمة تجسسكم على مملكة أميرنا، قد أصدرت حكمها بإعدامكم حرقاً في فرن المملكة الكبير، وإتماماً للعدالة فإنّا سنفسح صدورنا لسماعكم بعد تنفيذ الحكم)ـ
ونظر عن يمينه فأومأ الفأر تصديقاً .. ونظر عن شماله فاهتز الثعبان مشيراً بالموافقة .. وبسرعة جاء حيوان رأسه يشبه الذئب وجسمه يشبه الحمار، يتبعه ثلاث حشرات كبيرة .. وقيدت كل حشرة واحداً من الثلاثة المساكين، الأمين وعامر وهشام .. واقتادوهم إلى الفرن لتنفيذ الحكم.. وما إن أقدموا على الفرن حتى استقبلهم الحارس ( أشبه مايكون بالقرد ) وفتح باب الفرن
فإذا بحفرة رهيبة العمق ، تأججت نارها فهي تزمجر بصوت رهيب، وترتفع منها ألسنة اللهب في أصوات قاصفة كالرعد..!؟
وإذا بالمساكين الثلاثة ترتعد فرائصهم ، ويتصبب منهم العرق غزيراً غزيراً، وتشحب وجوههم كأنها الزعفران صفرة؟!؟
وينظر بعضهم إلى بعض نظرة وداعو أسفلهذه النهاية الأليمة المحرقة، ويزداد حزن الأمين من أصحابه فهو الذي اقترح عليهم الخروج معه
وتجهّزت الحيوانات لتنفيذ الحكم وبدأوا بالأمين فاقتادوه إلى حافة هذا الأتون المستعر، وعندما همّوا بقذفه قال للذئب الحمار:ـ
ــ إن القاضي سيقتلك
ــ يقتلني؟
ــ لماذا؟
ــ لأنك لم تنفّذ الحكم
ــ ننفذه، وسنلقي بكم في النار
ــ ولهذا سيقتلك لأنك لم تفهم الحكم
ــ ما الذي لا أفهمه … ؟
ــ إن نص الحكم الذي نطق به القاضي معك، فاقرأه جيداً، ودقق فيه لتفهمه قبل أن تخطئ خطأ كبيرا فيكون جزاؤك القتل لسوء فهمك
ــ تعودت على سماع مثل هذا الحكم كثيراً، عندما كان الثعبان رئيساً ولم يعترض على تنفيذنا بمثل ما نفعل الآن
ــ ولكنك الآن في عهد رياسة الخنزير، وهو لا يقبل أن تتم في عهده الفوضى في تنفيذ الأوامر والأحكتم
ــ لم يكن هناك فوضى في عهد رياسة الثّعبان
ــ ألأنك كنت مسؤولاً عن التنفيذ؟ وتخشى أن يفطن أحد إلى أخطائك القديمة؟
ــ كلاّ فأنا أقول ما أعتقد وأنفّذ ما أفهم
ــ لقد حذرت وغضب القاضي، لأنه لن يسمح لك بأن تقع في خطأ فاحش، خاصة وأن الخطأ يتعلق بأوامره وهو رئيس، ومعك الصحيفة فاقرأ منها الحكم ، وقتلي لن يفوتك
ــ فأخرج الحيوان الصحيفة وأعاد قراءتها بصوت عالٍ، وكان يؤكد على الكلمات (كلمةً كلمة ) ليثبت أنه يفهم .. ولما فرغ من قراءتها قال له الأمين:ـ
ــ أفهمت؟
ــ الذي أفعله هو الصحيح، وسألقي بكم في النار
ــ أيّها الذئب الحمار: إن القاضي يقول في آخر كلامه .. ( وإتماماً للعدالة، فإننا سنفسح صدورنا لسماعكم بعد تنفيذ الحكم).. فإذا كنت ستلقينا الآن في النار فكيف تتحقق عدالة القاضي الرئيس فيستمع إلينا؟ والاستماع إلينا ضروري لإتمام العدالة
ــ بعد تنفيذ الحكم
ــ هذا صحيح والذي يعنيه القاضي أن نقول ما عندنا فيسجل أولا ثم بعد ذلك ينفّذ الحكم، ثم يأمر القاضي بقراءة أقوالنا ويستمع إليها واسع الصدر ، فيكون بذلك قد أفسح صدره لسماع أقوالنا بعد تنفيذ الحكم إتماماً للعدالة
ــ فأطرق الذئب الحمار يفكر في هذا الكلام، وقد خشي أن يقع في خطأ فيقتله القاضي، وازداد اضطرابه وتردد في التنفيذ.. ونظر إلى النار وتخيّل نه سيلقى فيها إذا هو خالف أمر القاضي، وأخيراً قرر العودة بالمساكين الثلاثة إلى القاضي يستوضحه الأمر ليتأكد من سلامة عمله
ولمّا عاد إلى قاعة المحكمة استأذن .. فأُذن لهم، وكانت المحكمة موجودة بصيغة دائمة للنّظر في القضايا الهامة
ولمّا مثل الجميع أمام القاضي بادره الأمين قائلاً:ـ
ــ أيها الخنزير الكبير: إن هذا الذئب الحمار خالف أمركم
ــ كيف؟
ــ لقد أمرتم أن تستمعوا إلى أقوالنا بعد تنفيذ الحكم، وهذا الذئب الحمار يرفض أن يسجل أقوالنا لتعرض على مسامعكم بعد إلقائنا في النار، وهذه مخالفة واضحة لأوامركم
فنظر القاضي إلى الذئب الحمار وقال:ـ
ـ هل هذا صحيح؟
ــ سيدي جئت أستوثق منكم ليكون التنفيذ صحيحاً
قال الأمين: إن هذا الحمار كان يصرّ على إلقائنا في النار، ويعرض عدالتكم للشكّ بعدم تسجيل أقوالنا قبل التنفيذ
ــ فنظر القاضي إلى الذئب الحمار مؤكداً غباءه في سوء فهم ما يوكل إليه من الأعمال .. وما أن أدرك الأمين الغضب في عين القاضي، حتى قال:ـ
ــ ثم إن هذا الذئب الحمار أيها الرئيس يقول، إنه لطالما سمع أوامر على هذا النحو ونفّذها كما أراد أن يفعل الآن ، وإن ذلك كان في عهد رئاسة الثعبان الذي كان قبل عهدكم، وحاولت أن أفهمه أن عهدكم ليس فيه فوضى ولكنه عهد العدالة. فأجابني مدافعاً عن عهد رئاسة الثعبان وقال: إن عهد الثعبان لم يكن فيه فوضى. وما إن أتم الأمين كلماته حتى ضرب القاضي الأرض أمامه بكلتا يديه وصرخ في وجه الذئب الحمار والشرر يتطاير من عينيه، وأمر بطرده فوراً ثم وجّه حديثه للجالسين قائلاً : ـ
إن عهدي هو عهد العدالة ولن أسمح بالفوضى التي كانت تتم في عهد رئاسة الثعبان
فلما أتم كلامه كان الثعبان عن يساره قد امتلأ غيرة وغيظاً وحنقاً على التقليل من شأنه ورمي عهد رئاسته بالفوضى. فانقضّ الثعبان على الخنزير، وأنشب أنيابه في رقبته وعضّه بقوة مفرزاً سمومه القاتلة تسري في الخنزير مسرى الموت
وارتمى الخنزير على الأرض يخلّص نفسه، وتمرّغ بقوة هائلة فوق الثعبان وأفلت الثعبان برأسه من تحت الخنزير فتصادف أن هوت يد الخنزير بقوة هائلة من غير قصد على رأس الثعبان ، فقتله لساعته، ثم ما لبث أن مات الخنزير بسمّ الثعبان القاتل، وخلى كرسي الرئاسة بموت الخنزير .. فحدث في القاعة هرج عظيم، وهجمت الحشرات الآكلة للّحوم وهي تشبه الحيوانات في ضخامتها، وأنشبت تأكل لحم الخنزير والثعبان، وكان من عادة هذه الحيوانات أنه إذا وقع أحدها تكالبوا عليه وأكلوه عن آخره


