الفصــــل الثــــاني
وصاح يخبر الأمين بخبر الباب، وكان الأمين مازال في اندفاعه منشغلاً يبحث عن هشام، حينما صدمه خبر انغلاق الباب
والتقى الصديقان وسط الفناء بسرعة بعيداً عن الجدران، وأخذ كل منهما ينظر في عيني صاحبه وقد امتلأت عيونهما بالخوف والحيرة والتساؤل. وقد بدا للأمين أن انفتاح الباب أول الأمر لم يكن وهماً، وكان وثوقه حينما استفسر من صاحبيه أمراً يؤكد الآن انغلاق الباب واختفاء هشام. وإن وراء ذلك لأحداثاً لا يعلمها إلاّ الله
وها قد بدت معالم من صدق حديث العجوز
قال الأمين : ياعامر علينا أن نبحث عن هشام فالثلاثة أقدر على مواجهة الصعاب من اثنين .. لعل هشاماً الآن في ضيق يحتاج إلى من يعاونه في الخروج منه .. وعلينا أن نفكّر بهدوء ورويّة في كل ما نقدم عليه، وقد خطر لي الآن أن أتتبع آثار قدميه لنرى أين اتّجهت، فهيّا بنا .. وذهب الأمين إلى حيث كانوا يراقبون النمل وتبعه عامر. وبدأ الاثنان يتعقّبان الأثر، فإذا بهما يسيران في اتّجاه مسار النمل
وبدت آثار أقدام هشام واضحة على الأرض، فزاد ذلك من اطمئنانهما إلى طريقة بحثهما عن صاحبهما المفقود، وتعجّل عامر خطوهُ وأسرع في تتبعه إلى أن أوصلته آثار الأقدام إلى الغرفة والأمين في قدومه أبطأ منه، فقد كان يدقق النّظر في آثار الأقدام، وكل ذلك يجري والعين ترقب!!ـ
وما إن دخل عامر الغرفة حتى ارتدّ فزعاً وهو يصرخ ويعدو كالريح إلى باب المخرج يطرقه بشدّة كالمجنون، ويبحث عن طريقةٍ يفتح بها الباب .. وما إن فعل عامر هكذا حتى تبعه الأمين كالريح، وقد طار قلبه هلعاً دون أن يفهم ما الذي حدث!!ـ
وأخذ الأمين يلحّ على عامر أن يذكر له ماذا رأى، وهو يحاول في نفس الوقت فتح الباب ولكن عامراً كان يلهث رعباً وفرقاً. والأمين يهدئه حتى يفهم الأمر
وأخيراً .. قال عامر:ـ
بينما كنت أهمّ بدخول الغرفة التي انتهت إليها آثار الأقدام لمحت .. ثم سكت
ــ ماذا لمحت؟
ــ جلباب هشام
ــ هل رأيت هشاماً؟
ــ كلّا لم أره، ولكنّي لمحت جلبابه وحذاءه على أرض الغرفة وقد تبعثرا بما يوحي إليّ أن صاحبنا قد أصابه مكروه
وقد تصوّرت أنه….ـ
ــ ماذا ؟
ــ إنه…..ـ
ــ أواثقٌ أنّك لم تره ؟
ــ نعم أنا واثق ولكنه … ولكنّه ..ـ
ــ ألست معي في أن ملابسه بوضعها الذي رأيته تؤكد أن مكروهاً قد ألمّ به؟
ــ يساورني ياعامر خوف مما تقول … ولكنك لست على يقين
ــ لماذا؟
ــ لأنك لم تره بعينيك
ــ وما دلالة الذي رأيت؟
ــ قد يكون الصواب إلى جوارك، يدعم شبهتك وقد لا يكون، ويجب أن نعرف الحقيقة ونرى بأعيننا
ــ تعني أن ندخل الغرفة؟
ــ لنستيقن
ــ لا أستطيع يا أمين، اذهب وحدك
ــ وأنت … هل ستبقى وحدك؟؟
ــ وفكّر عامر في بقائه وحده، وقال:ـ
ــ ليست لي قدرة يا أمين على دخول هذه الغرفة، وقلبي ما زال منقبضاً وصدري ضيّق، وهنا الفناء واسع والشمس تملأ المكان ضياء ونفسي تأنس إلى الضياء
ــ يا عامر .. علّنا نستطيع أن نساعد هشاماً ، والنّهار مازال يؤنسنا .. وإذا ذهبت وحدي فستبقى وحدك كذلك وهذا يزيد وحشتك ثم يأتي عليك الليل .. ورأيي أن نكون سويّاً يؤازر أحدنا الآخر، وننقذ هشاماً فنكون حينئذٍ ثلاثة .. بدلاً من اثنين
وتردد عامر ولم يعد قادراً على أن يحسم رأيه هل يشارك الأمين ويدخل الغرفة، أم يبقى وحده .. وقد لا يعود إلى الليل؟
ثم تحرك الأمين نحو الغرفة وطلب من عامر أن يتبعه ، فقام عامر وتبعه مستسلماً، وأخذ الأمين يغنّي بصوت مرتفع ليذهب عنه الخوف
واقتربا من باب الغرفة، الأمين يسبق عامراً بخطوات قليلة
وكان صوته المرتفع الذي يغنّي به ليذهب خوف نفسه ينخفض قليلاً قليلاً كلّما اقترب، وعامر خلفه تتردد خطاه ويستجمع عزمه، لا للمضي قدماً ولكن للجري عند أول بادرة تنبئ بالنذير. وانخفض صوت الغناء ثم انقطع، ولم يبق على باب الغرفة إلا القليل، وقارب الأمين خطوه ُ ثمّ سار على أمشاط قدميه .. ونظره نحو الغرفة
بقي خطوتان عندما وقف الأمين، ووقف عامر خلفه يبعد عنه خطوات، ومازال الأمين واقفاً يستجمع شجاعته .. ثم مضى يقطع الخطوتين في حذر بالغ .. ووقف أمام الباب يقلّب الطرف في الغرفة ويدقق النظر في الأرض
حقاً هذا جلباب هشام وهذا حذاؤه، ثم أطلّ برأسه قليلاً إلى الداخل .. رأى أثر قدميه الحافيتين تمضيان إلى الداخل إلى فتحة في نهاية الغرفة وعلى جانب منها. ولا شيء غير الذي رآه!!ـ
نادى الأمين:ـ
أقبِل يا عامر. فأقبل عامر متردداً ووقف إلى جواره فأراه أثر قدمي هشام الحافيتين تمضيان إلى الفتحة الجانبية. وبدا لهما أن هناك غرفة أخرى دخل إليها هشام .. وكان عامر يتحدث إلى الأمين مؤيداً قوله حينما أشار إليه الأمين بالسكوت .. وأدار أذنه للداخل .. وكان صوتاً خفيفاً يأتيهما . وأرهف الأمين السمع..ـ
ــ آه .. إنّه خرير الماء
لعلّ نبعاً في الداخل يصدر عنه الصوت، وقد خطرت على الفور الفكرة للأمين تكشف لهما ما غاب من تفسير الأمر
فلعلّ هشاماً قد رأى الماء الذي نسمع صوته يأتينا من الداخل فخلع جلبابه وحذاءه ومضى إلى النّبع يستحم!؟
ودخل الأمين متّجها بهدوء المستطلع لخفايا المجهول ليرى الغرفة الداخلة والعين لم تتغفّل عن تتبّعهما
ودخل الأمين .. وكان عامر ما زال بجوار الملابس التي تركها هشام في الغرفة الخارجية وحينئذ، أطلق الأمين صرخة تصخّ الأذن، قائلاً : ( اهرب يااا عااامر )…ـ؟؟
واندفع عامر بكل قواه مؤثراً النجاة بنفسه وخرج إلى الفناء الفسيح يعدو .. ويتلمس لنفسه مهرباً
وكان أشبه شيء بالحيوان الذي وقع حبيساً وقد كان حراً طليقاً يعدو بغير هدى من جانبٍ لجانب ، ويدور مع جدران الفناء
ثم يذهب إلى الباب ويفتّش عن وسيلة تسعفه في فتحه والخلاص مما هو فيه. وكان يبذل أقصى جهده بقوّة لم يعهدها في نفسه من قبل. ولم يكن يقوى على الصياح لجهده الذي بلغ منتهاه التماساً لمخرج، وهو يلتفت التفاتة الفزع نحو الغرفة من حين لآخر مستطلعاً ما عساه يخرج إليه منه بين لحظة وأخرى
ودخل الليل مسدلاً أستاره على الدنيا، وارتحل الضوء مع الأنس والطمأنينة اللتين تصاحبانه أبداً .. وعيناه وعينا عامر تزدادان اتّساعاً كلّما زاد الظلام .. وهو على حاله من الكدّ والجهد وعدم الاهتداء .. وغلبه الإعياء والإرهاق وأخذته إغماءة من شدة خوفه.. وأمضى الليل مفترشاً تراب الأرض
**********
وما وعى من إغفائه .. ولا أفاق من نومه إلا بعد أن لسعته أشعة الشمس صباح اليوم التالي
فتح عينيه ينظر إلى الدنيا حوله وكأنه أفاق من أحلام ليل داهم الخطوب. وأخذ بصره يدور، فرأى جدران البيت حول الفناء عالية، وقد كان يظن أنه في بيته الذي ألِف أن يرى سقفه عندما يفتح عينيه كل صباح
وخاطب نفسه متسائلاً: ما الذي غيّر دارنا .. لم تكن أبداً مثلما أراها الآن؟
وسبحت عيناه في الفضاء وقد ملأهما دهشة المتسائل المستنكر .. يحاول أن يعي وأن يفهم .. وكلّما همّ بتحريك أطرافه ليرفع جسمه المسترخي على التراب .. لم تسعفه قواه لكثرة ما أنفق بالأمس من جهد
وفجأة .. حضرته ذاكرته، وأدرك ما كان من يومه الفائت .. فانتفض على قدميه واقفاً والتصق بالجدار وعينه لا تتحوّل عن باب الحجرة ، وأفكاره تتوالى سراعاً
وامتدّت يد من وراء العين التي ترقبه بصمت وهدوء عجيبين مشيرة إلى فتحة صغيرة في الجدار الذي يواجه عامر .. والمسكين لا يرى ولا يدرك ما يدور حوله ، ومضت لحظات..ـ
ثم خرجت من هذه الفتحة جموع لا يحصيها عدّ، من النمل الأبيض الكبير الذي يأكل الإنسان حتى عظمه في لحظات، وازداد اندفاعها من هذه الفتحة الضيقّة، كأن نبعاً من النّمل الأبيض قد تفجّر،وخرجت سيوله دافقة تغرق المكان في موجات عاتية متلاحقة .. تندفع في كل اتجاه .. وتكدّست موجات النّمل، وركب بعضها بعضاً حتى علت مثل قامة الرّجل الطويل، وتدفق ذلك الموج نحو عامر وكاد يحيط به إحاطة السوار للمعصم .. ولم تترك له إلاّ فتحة ضيّقة لينجو بنفسه من هذا الخطر الداهم
وعامر المسكين يرقب هذا الأمر العجيب دون أن تكون له فسحة للتفكير .. ويرفع يديه ليغمض عينيه من شدة الهلع، ثمّ يفتحها ويفعل ذلك مراراً دون أن ينجيه قفل عينيه من هذا الخطر الداهم الذي أنساه ما كان فيه بالأمس من همّ وكرب
وما إن اكتملت الموجات حتى اندفع عامر من خلال الفتحة الضيّقة التي تركت له .. وأخذ يعدو منها، والنمل على جانبي هذه الفتحة تضيق رويداً رويداً وهو يسرع عدواً خلال هذه الفتحة لينجو قبل أن يطبق عليه النّمل الأبيض
وأسلمته هذه الفتحة للغرفة الأولى ثم الثانية التي دخلها الأمين بالأمس. وأطلق النمل بعضه على بعض بمجرد دخوله الغرفة الثانية التي لم يدخلها النمل ووقف لا يستطيع أن ينظر خلفه ليرى النمل وهو ينحسر سريعاً عن المكان ويعود إلى الفتحة التي خرج منها بمثل سرعته في الانتشار وكأن حدثاً عجيباً لم يحدث
وبقي عامر في الغرفة .. وقد جف حلقة من شدة الخوف ووقع على الأرض يجهش بكاءً ويئن أنيناً .. وبينما هو على حاله .. امتدت إليه من وراء العين التي ترقبه يد طويلة، أصابعها كثيرة . واقترب نحوه من خلفه في هدوء الأفعى المخيفة .. تتحسس الطريق إلى ظهر عامر وتنفتح الأصابع الطويلة العديدة في كل اتجاه كأن كل إصبع له عمل محدد
وعامر المسكين غير دار بما حوله .. والأصابع في رخاوة أذرع الأخطبوط ورطوبتها وقوّتها .. ودنت راحة اليد العجيبة من ظهره.. ولمابقي بينهما وبين ظهر المسكين قدر إصبع، وفي مثل لمحة البصر الخاطف أطبق راحة اليد فالتصقت بظهر عامر والتفّت أصابعها، كل منها يعمل عمله فتغيّرت رجلاه وذراعاه بما لا يقدر عامر على الإفلات منه، والتفّ إصبع حول فمه يسكته عن النحيب والبكاء
وساد المكان صمت يحاكي صمت القبور .. وارتفعت اليد بفريستها وأخت تطول رويداً رويداً
واتّجهت به نحو ركن الغرفة الداخلي، ووقف به أمام حجر في الجدار( داكن اللون ) وامتدّت إصبعان من هذه اليد العجيبة إلى الأمام نحو الحجر كأنهما قرنا استشعار طويلتين .. ثم بدأت الإصبعان في دفع الحجر إلى الداخل ..فانزلق الحجر أمام الإصبعين وطالت اليد .. ثم طالت ، وهي تمضي في فحيح الأفعى لفريستها في هذا الممرالضّيق المظلم الطويل ، الذي ينحسر عنه الحجر الداكن . ومضت لحظات ولحظات، واليد تمضي في الممر حتى تكشفت أرضه عن قبو وعادت من حيث جاءت
وأقفل سقف القبو بعودة الحجر الداكن خلف اليد العجيبة التي أخذت تنسحب رويداً رويداً .. تاركة ً عامراً المسكين في غيبوبة ثانية


